باستثناء صلاح نصر الذي تولى رئاسة جهاز الاستخبارات المصري في العهد الناصري وأطيح لأسباب تتعلق بالفساد وسوء استخدام السلطة، لم يحصل اي من رجال الاستخبارات المصريين على الصيت والشهرة التي حصل عليهما محمد نسيم رجل الاستخبارات المصري الذي عرف بين زملائه بلقب "قلب الأسد" قبل أن ينتشر ذلك اللقب بين المصريين بعدما عرض التلفزيون المصري في منتصف الثمانينات المسلسل الشهير "رأفت الهجان"، حيث لعب الممثل نبيل الحلفاوي شخصية "قلب الأسد" ذلك الرجل الذي اشرف على إعداد المواطن المصري رفعت الجمال رأفت الهجان وزرعه في قلب إسرائيل وتابع نشاطه داخل المجتمع الإسرائيلي. توفي محمد نسيم أول من أمس عن عمر يناهز الثالثة والسبعين في مستشفى "وادي النيل" التي تقع خلف مقر جهاز الاستخبارات المصري، في منطقة كوبري القبة، المكان الذي عاش فيه نسيم لأكثر من 14 عاماً هي المدة التي عمل فيها ضابطاً في الاستخبارات المصرية واضطلع خلالها بأدوار نال على ادائه فيها وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، كما كانت جرأته وإصراره على خوض الصعاب وراء لقب "قلب الأسد" الذي أطلقه عليه زملاؤه. ولد نسيم في 18 ايلول سبتمبر العام 1927 في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية ثم عمل في الجيش المصري لسنوات قليلة انتقل بعدها في1957 الى العمل في جهاز الاستخبارات العامة، في مرحلة كان رجال ثورة تموز يوليو يسعون فيها الى تطوير أداء ذلك الجهاز بعدما شعروا أن نظامهم يواجه مؤامرات خارجية تفوق تلك التي تحاك في الداخل. وظل نسيم طوال السنوات التي عمل فيها في الاستخبارات أحد أركان ذلك الجهاز الذي عصفت به أزمة طاحنة أطاحت رئيسه حينذاك صلاح نصر وبعض معاونيه ولم يُبعد نسيم مع من ابعدوا مع نصر ضمن ما عرف وقتها ب "حركة التطهير" . وإذا كان اسم نسيم ولقبه "قلب الأسد" عرف إعلامياً في الثمانينات بفعل مسلسل "رأفت الهجان" فإن زملاءه يؤكدون أنه كان المحرك الرئيسي لكل عمليات الاستخبارات المصرية خلال النصف الثاني من الخمسينات وطوال الستينات ما اعلن منها وما ظل في طي الكتمان. ويعتبر هؤلاء أن أهم تلك العمليات على الإطلاق هي عملية "الحفار" الذي اشترته إسرائيل عقب حرب الأيام الستة في حزيران يونيو العام 1967 من كندا للتنقيب عن النفط في سيناءالمحتلة، وتولى نسيم التخطيط لمتابعة رحلته عبر المحيط حتى تمكن من تفجيره في السواحل الغربية لأفريقيا قبالة مدينة ابيدجان. واللافت أن نسيم اعتمد في خطته على مجموعة من الفنانين المصريين ذهبوا الى ساحل العاج وغانا بدعوى تصوير شريط سينمائي هناك للتغطية على نشاط رجال نسيم الذين اندسوا بين الممثلين يرصدون رحلة الحفار ثم يفجرونه في وقت لاحق. تحول الرجل بعدما ترك الخدمة في جهاز الاستخبارات الى العمل في مجال السياحة وصار واحداً من أهم رموز صناعة السياحة في مصر وعمل رئيساً "للهيئة العامة للتنشيط السياحي" منذ 1975 وحتى 1987، ثم رئيساً لشركة "سيناء للفنادق ونوادي الغطس" في1981. وحينما سئل عن العلاقة بين السياحة والاستخبارات لفت الى أن عمله في الخمسينات والستينات جعله على صلة وثيقة بالأوضاع في سيناء وأنه استغل خبراته في تحويل شبه الجزيرة المصرية الى منطقة جذب سياحي، لافتاً الى أنه حوّل المنطقة نفسها التي كانت إسرائيل تنوي استغلالها لسرقة البترول المصري الى قرى ومنتجعات سياحية استفاد منها المصريون والاجانب على السواء. ويؤكد زملاء نسيم القدامى أن الوقائع التي شارك فيها "قلب الأسد" ولم تعلن بعد تفوق تلك التي أعلنت. وظهرت على شاشات التلفزيون عبر مسلسلي "رأفت الهجان" و"الحفار". ولعل ذلك ما عكسه النعي الذي نشره جهاز الاستخبارات المصري أمس حيث وصف نسيم بأنه "أحد أبناء الاستخبارات العامة الأبرار الأوفياء ممن بذلوا الجهد والعطاء".