تمثل فكرة العودة للطبيعة والبيئة المحلية ومشاهد الحياة الشعبية اليومية وحفظ صورة ما تبقى منها أحد شقي توجه أساسي في حركة الفن التشكيلي السعودية، كما عكسها المعرض الحالي في لندن "مختارات من الفن التشكيلي السعودي، المعرض المتجول". أما الشق الآخر فهو استجلاء جماليات الفنون البصرية القديمة وتمثلاتها الاستعمالية في العمارة التقليدية وما تضمه من عناصر فنية كالزخرفة والخط وهندسة العقود والأعمدة والجدران وتصاميم الأبواب والشبابيك وكذلك في المصنوعات الشعبية المختلفة: أدوات وآنية ومجوهرات وسجاد وغيرها. يكاد اثر الحياة اليومية المعاصرة وعلاقة الفنان بها وتداخله معها وبالتالي مشكلاتها وصعوباتها وجمالياتها أن يضعف لدرجة التلاشي، ومع ذلك فخلف واجهات الاحتفال برموز الماضي وأشيائه غلالة حزن شفيف لا تخطئها العين تكاد تشمل معظم المعروضات وتتوسط ايقاعاتها، فهل ينطوي الأمر على إشارة إلى رفض الحاضر والانهماك بعوالم خاصة بديلة ليس بينها اجتراح فكرة المستقبل والبحث عن الخلاص في رحابته، بل العودة إلى أمان الماضي "الذي كان زاهياً" أو هكذا يصوره الفنانون عادة؟ هذه العودة تتم بطرق وأساليب مختلفة كما هو متوقع، وكذلك بمستويات متعددة من الطرح تتراوح بين الاحتفاء المحض بجماليات الشكل وبين جعله أحد عناصر لوحة ذات هم مختلف. لكن الملاحظ أن العديد من تلك الأنماط هو انعكاسات متفاوتة الدرجة لمدارس وتوجهات فنية عالمية معروفة يبدو أثرها واضحاً لدى أولئك الذين تلقوا تدريباً فنياً خارج المملكة في أوروبا وأميركا والبلدان العربية. فبينما الماضي طروحات مركبة تختفي آثاره في تلافيف انشاءات عبدالرحمن السليمان وحمزة باجودة وعلي الصفار وشادية عالم وعبدالجبار اليحيى وصالح خطاب، فهو صور من الطبيعة - حقيقية أو مفترضة - عند عبدالعزيز الناجم وعبدالله الشلتي ومنير الحجي ومحمد الأعجم ونادر العتيبي وإبراهيم الزيكان. أخبرني الفنان علي الرزيزاء أن لوحة الأخير "المزرعة" التي تمثل شرفة تطل على مزرعة تقليدية أليفة وجميلة من النوع الذي انتهى وجوده أو كاد، طبع منها نسخ كثيرة وانتشرت في المملكة العربية السعودية، والماضي ذاته هو احتفاء بحميمية وألفة الأماكن والحارات والبيوت القديمة ومشاهد الحياة الشعبية وعادات الناس وما يرافقها من ملابس وحلي وأشكال وزخارف عند رسامين آخرين يشكلون النسبة الأكبر من المشاركين في المعرض، ومنهم زمان جاسم وسمير الدهام ومحمد سيام وحمد المواش ورضا معمر وهدى الرويس ومحمد العايد وجوهة الشعيبي وسامي البار وأحمد المغلوث وإبراهيم بوقس... وآخرون. صالح النقيدان يعزف أيضاً على نول الماضي لكنه هنا الماضي الاشكالي الملتبس ليس الانيس الدافئ الحضن المرتبط بطلاقة الطفولة وبساطتها، هو هنا الماضي الذي يسقط فيه الإنسان أكثر مما يعود إليه، حيث يقف رجل في زقاق عتيق المشراق، فإن تفاصيل جسده تتداخل في ما حوله وملامحه تنمحي في ملامح الجدار ويتحول وجهه كوة تكمل صورة الزقاق المغلق في نهايته. ولحنان باحمدان لوحة الطبيعة الساكنة الوحيدة وهي من اللوحات القليلة التي لا تجد فيها أثراً لبيئة محلية عربية زخرفاً كان أو حرفاً أو شكلاً أو حتى في طبيعة الألوان والبناء التي تدل بوضوح إلى منابع تأثيرها المباشر. ناصر التركي رسم حلماً سريالياً أو أنه رسم حلماً بصورة سريالية يشبه لوحة باحمدان من حيث اكتفائه بعالمه وانشغاله بتسجيل طبيعة الحلم المتداعية والمعلقة خارج الزمان والمكان. في لوحات علي الرزيزاء يبدو اثر التدريب الأوروبي واضحاً، وكذلك دربة الفنان الطويلة في متانة البناء وثقة الرسام بأدواته وخبرته في استعمالها وتقنيته المركبة. ولوحة الرزيزاء مزيج من منظر طبيعي وهو مقطع من جدار أو زاوية حارة شعبية وزخرفة عربية، تأخذ شكل باب أو نافذة أو بساط ملقى على جدار، على ان اللوحة على رغم تداخل عنصريها الرئيسيين تبدو وكأنها مصممة كحاوية للزخرفة وما تبقى هو وسيلة لعرضها بأفضل صورة ممكنة وتقديم سبب لوجودها. يعرض "مختارات من الفن التشكيلي السعودي" حالياً في لندن في قاعة الغرفة التجارية العربية - البريطانية، وهي محطته الرابعة بعد مصر واسبانيا وتايوان، ويضم أعمالاً لحوالى 60 فناناً وفنانة.