خلال لحظات القصف كنت في غرفتي، بابها كان مفتوحاً، لمجيء بعض الأصدقاء من بينهم الشاعرة المغربية وفاء العمراني التي اتفقنا أن تقرأ لنا شيئاً من جديدها الشعري، في تلك الأثناء سمعت صوتاً في الخارج يقول بإطفاء الأنوار، لكن لا أعرف لمن يتوجه الصوت، تحوّطاً للأمر، أطفأت النور، وأطللتُ من النافذة، لأرى شبان قوات ال17 التابعة لمنظمة فتح في سياراتهم الجيب وهم في حركة غير عادية، انطلقت السيارات تجاه أمكنة أجهلها، في هذه اللحظات تذكرت حصار بيروت الذي عشته بكل فصوله التراجيدية، لكأن التاريخ يكرر نفسه ومع الفلسطينيين بالذات الذين اعتادوا على حياة قلقة مشوبة بالصراع مع عدو ماحق يعيش على الخيال الأسطوري. في اليوم التالي، وكان التقويم يشير الى السادس من الشهر العاشر لعام ألفين ميلادية، عُدّت العدة، لذهابنا الى "بيت لحم". لقد تغيّر البرنامج كلياً، كان من المفترض أن نزور القدس القديمة والخليل وجنين وغزة ونابلس، لكن الأوضاع الملتهبة لم تسمح بذلك، فالجيش الاسرائيلي على أبواب المدن وفي مفترق الطرقات، مستعد ومدرّع، والمستوطنون أكثر جاهزية في تخطي الخطوط الحمر، ولهذا وفي طريقنا الى بيت لحم من رام الله المغلقة منذ أكثر من خمسة أيام نتيجة الاضراب، سلكنا طرقاً ملتوية، لتفادي السعار المعلّب الذي يمكن أن يدفعه المستوطنون الينا في أية لحظة. في طريقنا نمرّ في قرى صغيرة، أليفة وبريئة، ولكنها معرّضة في أي وقت للدمار، بحجة أنها تخبئ الفتيان من عشاق الحجر. إذاً هكذا يهدهدنا الباص في أزقة تحتضنها أشجار الزيتون واللوز حتى نصل الى مدائن معروفة يقطن التاريخ في حجارة منازلها، اننا في منطقة حلمية، تجمع على التوالي بير زيت وبيت جالا وبيت ساحور، هذه المدائن لا تنسى منها نستطيع أن نرى قبة القدس، فالقدس على مرمى وردة، كما قال الروائي يحيى يخلف في حفل افتتاح المهرجان، إنها مدن شاعرية، مغلفة بالحكايات والأشعار، وتصقل صخورها الأزمان، مثل "مغارة الحليب" و"حارة التراجمة" و"معصرة الزيتون" بعد أن نقطع مدينة "بيت جالا" التي يرمي الجمال عليها ملاءة شفيفة، نصل الى قلب التاريخ، حيث مدينة "بيت لحم" التي يعود تاريخ إنشائها الى 3000 عام، وهي تقوم على رابية مرتفعة، تحوطها بها التلال المائجة، هنا بغتة يسطع الخشوع وينبثق الجلال فوق هذه المنحدرات والوديان، تشعر أنك في برهة البدايات الأولى للتكون، في موضع يكون الله قريباً من كل شيء. ضياء باهر يحيط بالمدينة، فتحسب إنك في أرض من الصلوات والترانيم والدعاء الذي يسبغ على المواضع أبهة روحية تجعل من الكائنات قطعاً نورية، تحلم بالميتافيزيقيات وبالسلام المصفى. ها هي إذاً "كنيسة المهد" وعلى جانبها تنهض منائر ساحرة لمسجد الخليفة عمر بن الخطاب الذي زار بيت لحم كمبعوث للنبي محمد صلى الله عليه وسلّم حيث صلى في المكان الذي يضمه المسجد حالياً، بني المسجد عام 1860 وتم ترميمه عام 1954 وهو يمثل رمز التسامح الذي يسود "بيت لحم" لأن الأرض التي شيد عليها المسجد قدمت كهدية من الروم الأورثوذكس الى المسلمين. الشاعر ومدير بيت الشعر في فلسطين، المتوكل طه، يقودنا الى المقام الجليل حيث كنيسة المهد، أو المغارة المقدسة التي ولد فيها الطفل يسوع. ننزل درجات رخامية ملساء عتيقة، فيتلقفنا الأدلاء شارحين أهمية المكان الذي نحن فيه. حجاج وافدون الى المكان ينتظرون دورهم، قساوسة ومطارنة وشمامسة بثيابهم الكهنوتية يشرحون بالعربية والأجنبية القصص القدسية للوافدين، وتلتمع هنا وهناك مباخر فضية وشمعدانات مذهبة ومرايا بارقة تعكس أخشاب الأيقونات مليئة بفصوص حمر وخضر، تتموج بتشظيات فيروزية وتقابلها هالات شموع مخروطية، تلقي هي الأخرى بظلالها المائجة فوق كرات نحاسية مبهرجة، كأننا هنا في كرنفال من الشعاع، أو في بؤرة النور السحري، وهذه البقعة الصغيرة المسورة أمامنا هي المهد والموضوع الأول، الذي وضعت فيه مريم العذراء يسوع المسيح بعد أن هاجرت من الناصرة صحبة يوسف قبل ألفي عام، وها هي تتصادى التراتيل وأدعية الرهابنة تحت سقف هذا المكان المنيف. بعد جولة تفقدية في محيط المكان وجواره نأنس الى خبز بيت لحم المخبوز على الصاج، والى لحم بيت لحم الذي لم نأكل ألذّ وأطرى وأشهى منه بعد أن حُضر في الأكلة الفلسطينية المعروفة ب"القدرة"، كان الطعام ساحراً خصوصاً إذا طُعّم بمُلَح وطُرف وتفكهات من أصدقاء جميلين مثل المنصف الوهايبي وطاهر رياض وزهير أبو شايب ويوسف عبدالعزيز وجهاد هديب. في الباص العائد الى رام الله أصغي بمتعة الى حكاية بوليسية يرويها الشاعر المغربي صلاح بوسريف وكيف فرّ ذات ليل عندما كان يدرس في بغداد، بأزياء متنكرة وباسم مستعار تاركاً كتبه وحاجياته هناك، ناجياً بجلده من سجن وموت مؤكدين من قبل المخابرات العراقية التي كانت تحاول ان تدفع به الى الجبهة العراقية - الايرانية لحمل السلاح، فيقول لهم: أنا جئت الى هنا لكي أدرس والنظام المغربي يحرم على الموجودين خارج المغرب حمل السلاح... لكنهم يأتون اليه مرة أخرى ويقولون له: لماذا تربي هذه اللحية، هل أنت من جماعة الخميني؟ فيجيب: هل كان ماركس خمينياً بلحيته تلك؟ فيجيبونه حازمين: إذاً أنت ماركسي. وهكذا دواليك. وقبل أن نصل الى رام الله يقول لي صلاح: أنا المغربي هكذا خرجت من العراق، فأنت العراقي كيف كان الأمر معك؟ فأقول له: حكايتي حكاية وليس لها من نهاية مع النظام العراقي. قبل عودتنا بليلة زرنا مجالس عزاء لشهداء أحدهم كان في الثالثة عشرة وآخر كان عريساً لم يمض اسبوع على زواجه، وثالث كان شاباً ضمن صفوف الشرطة الفلسطينية، التي سقط لها الكثير من الشهداء. مجالس العزاء كانت كبيرة وتجرى في الساحات العامة. كلما نظرت الى فتى يافع في بداية ربيعه الثاني أحزن وأصاب بداء الدمع وأقول في داخلي ينبغي أن يتوقف هذا المسلسل الدامي، مسلسل أن يكون هؤلاء الأطفال الذين يهبّون في خدمة مجالس العزاء مشاريع شهداء للمستقبل، شهداء في حرب ميزان قواها غير عادلة، حيث الصدور المفتوحة والقبضات المشدودة أمام نيران فوهات المدافع والدبابات الاسرائيلية التي تحصد من دون تمييز منابع اليفاعة... من هناك نمضي لنشاهد مسرحية، أدتها إحدى الفرق الفلسطينية في مسرح بديع متقشف في السينوغرافيا. نرى محمود درويش الذي أجَّل سفره الى باريس لغرض الفحوصات الطبية، نسأله: متى تسافر الى باريس؟ يقول "عندما تسافرون أنتم". كان يأتي يومياً الى الفندق الذي كنا نقيم فيه في رام الله ليسهر معنا ويضفي بحضوره بعداً آخر على الجلسة فينشط الحوار وتُقترح المشاريع وينهض الشعر متوثباً في حضروه، في حضور خادم الغياب ومريض المشتهى، كما عبر في أحد الأبيات الشعرية من "الجدارية". ليلاً تصلني مؤونة، فهنا لي أصدقاء كثيرون، عاشوا معي الشتات والمنافي، ليس زملاء عمل في الصحافة والمجال الاعلامي الفلسطيني الذي عملت فيه طويلاً منذ أيام بيروت في نهاية السبعينات، وثمانينات دمشق وقبرص، ثم انقطاعي عنهم غبّ مجيئي الى بريطانيا في مطلع التسعينات، وها أنذا أراهم الآن في وطنهم، إنهم الآن في الوطن وأنا معهم في منطقة الحلم، منتصف الليل نجتمع في غرفتي، لنقضي السويعات الأخيرة وسط هذه المرتفعات الحالمة، مائدتنا الدائمة هي الشعر، مائدة طويلة ولا تنتهي والطاعمون هم الشعراء. * شاعر عراقي مقيم في لندن.