أهرب من سحاب ثقيل، وريح يلوّحها سواد داكن، باتجاه أرض أخرى، ها هي عمّان - أو عمّون - تتهادى متلفّعة بسطوع العصور، مرة نبطيّة وأخرى رومانية، وفي طورها الأخير عربية، هي أرض سدوم وعاموراء، وأساطيرها تثبّتها أكثر في الإشراق الطارد للسديم. في الطريق تواجهني إعلانات ضوئية كبيرة تتكئ على حمولة شعرية، يلخصها شطر بيت للمتنبي "على قدر أهل العزم" عبارة موحية تفسّر دلالاتها الكثيرة طاقة هذا البلد، على صغره في المساحة والثروات المادية، لكن التجلي الروحي، يشير اليه هذا الاعلان الذي يحمل صوراً بهيئات وسحن وأزياء مختلفة من عامة الشعب الأردني - المهندس والطبيب والفلاح والراعي وطلبة العلم من شتى الحقول المعرفية، إنه الاعلان الذي يدل على البساطة والحقائق الأرضية، عكس دول الجوار التي ترفع صور الديكتاتور بهيئات وأزياء مختلفة، ولكن بالسحنة القاسية إياها، حين ترتسم البشاعة لتؤكد الخوف والخرافة. صباحاً في الفندق يأتي رسل شعريون، يبعث بهم بيت الشعر في فلسطين ليكونوا الدليل في النزوح الى هناك، كنّا ثلّة من الشعراء المغامرين يشدون الرحال صوب ملكوت الضياء. كانت الأنباء تتواتر عبر القنوات المرئية عن الحريق الذي اندلع في سماء الضفة الغربية، ثمة نداء يصلني من سعدي يوسف يشير الى تعاظم الأمر واتساع المحرقة، لكن ها هو موكبنا يتغوّر بعيداً في الأغوار، وها نحن قريبون من ضفاف نهر الأردن، ومن الجسر الملكي ذي الشهرة الحربية، هنا روائح ما زالت عالقة من معركة الكرامة، بين هذي التعاشيب والطحالب المخملية، وهنا قضى الكاتب الفرنسي جان جنيه "الأسير العاشق" للفدائيين شطراً من حياته تحت سقائف الصفيح وخمائل شرقية، كانت تُصنّع القلق ومن ثم تصدّره الى دولة إسرائيل. نعبر الجسر وما هي إلا خطوات لنكون بين تلال ومنحدرات بيضاء، مهيأة للصمت والوحدة والخشوع المتسامي وسط هذا الخلاء والبراري الذهبية الممتدة حتى مدينة أريحا التي تنخفض الى 260 متراً تحت سطح البحر. أريحا مدينة وادعة تحملها خفّة واضحة، الهواء فيها موسوم بمناخ استوائي، فواكهها وخضارها وثمارها متوافرة في جميع المواسم، مدينة سياحة ودلال، أرضها هي أخفض بقعة بين أراضي الدنيا، وبحسب الأسطورة الكنعانية، تعد أريحا أقدم مدينة مسوّرة في العالم. ها أنذا في ملكوت الضياء، أنظر عبر شجرات النخيل من شرفة غرفتي الى "جبل التجربة" حيث كان يقضي يسوع المسيح تأملاته وعبادته مناجياً الروح القدس، وعلى مرمى خطوات تلوح المياه الكثيفة للبحر الميت الذي به يكتمل المشهد، ليضفي البحر التوازن على الحال التاريخية والجغرافية لهذا المشهد البليغ. انه موضع للتأمل وللإيغال في التهجدات والإشراقات الروحية، كل شيء فيه قابل للتروحن، لا أشياء مادية هنا تعيق الهجرة الى المجاهل والابحار في الماوراء، الروح تصفو ناشدة رقة الكريستال في هذه البطائح الذهبية، يجتمع بعض الأصدقاء الموسومين بنار الشعر، في شرفة غرفتي، فالمساء دافئ وأنيس، نأتي بعد هجران صالة الفندق، لنستطرد في الشعر ونطيل الليل، نمدّه الى آخره، يشير غسان زقطان الى ضياء ما يرتعش فوق هضبة قريبة فيقول: انها مستوطنة جديدة، بنيت بشكل متعمّد، لتطل على "جبل التجربة" قلت لغسان: كيف تعرف إنها مستوطنة، قال: أعرف هذا النوع من الاضاءات ولا أخطئه، وأشار الى مكان آخر وقال: ذلك الضوء أردني، وهو ضوء مدينة طفولتي، وأما ذاك فإنه ضوء القدس، نعجب من تعابير غسان الضوئية ونضحك لجهلنا التام في مسألة الضياء. في الصباح نهيئ أنفسنا للذهاب الى "رام الله"، الهواء لم يزل ساخناً وثمة أنباء عن معارك قد نصادفها في الطريق. فاعليتنا الأولى كانت عقب وصولنا الى أريحا، حيث ذهبنا لحضور حفل افتتاح المهرجان، الذي تحول الى مهرجان خطابي تضامناً مع الانتفاضة. ألقى وكيل وزارة الثقافة الروائي يحيى يخلف كلمة الافتتاح، أعقبه المتوكل طه مدير بيت الشعر، ومحمد لطفي اليوسفي ثم قرأ الشعراء المنصف الوهايبي وجريس سماوي ويوسف عبدالعزيز قصائد تتناسب مع الوضع المتفجر. على مرمى خطوات منا في أريحا نفسها كان التصعيد على أشده. تحرك الموكب باتجاه رام الله في الطريق لاحت علائم الانتفاضة، المواد والعناصر التي يشتغل عليها الفتيان. أوغلنا في بطون الفيافي، قلت هذا هو الجمال المنداح في النضار، فأجابني سيف الرحبي: انها تلال جرداء يا صاحبي، فقلت له سئمت التلال الخضر في البلاد الأجنبية وروحي تهفو لهذه القفار، عقّب محمد لطفي اليوسفي قائلاً: انه عراقي ويحب التراجيديا. على مدخل رام الله تقع مدينة "البيرة" والمدينتان متداخلتان. نرفع العلم الفلسطيني على سيارتنا لكي لا يتصورنا الفتيان الفلسطينيون مستوطنين... ها هم إذاً أطفال الحجارة الذين كتبنا عنهم القصائد والمقالات منذ عام 1988... ها هم يتهيأون لبدء العمل، انهم يجهزون العدة: احضار دواليب سيارات، بقايا سيارة توضع كحاجز بينهم وبين رصاص العدوان من الجيش الاسرائيلي والمستوطنين، تكسير حجارة وشد المصائد "النقيفة" وجلب نفط وأعلام لأغراض الاشعال. ها هم أكبرهم لا يتعدى العشرين يقلقون بقبضاتهم الحليبية دولة مسلحة كبرى. بعدهم بمسافة قليلة كانت هناك تظاهرة تشييع شهيد. ان هذه المظاهر باتت أمراً شائعاً، فالشعب هنا كله معبأ ومحتقن وجاهز للتفجير والثورة. انها ثورة حقيقية، جبارة، ضد المحتلين بأجناسهم المختلفة: جيش وشرطة ومستوطنون هم بقايا لها أرومة تمتد عبر أجدادهم وآبائهم في سلسلة القتل الذي كانت تمارسه عصابات محترفة شكلت منذ مطالع القرن الماضي، هدفها الاغتيال والترحيل والاستيلاء على البيوت والأراضي بالقوة المسلحة، انهم عصابات الهاغانا، بقايا العصابات المتصهينة المعروفة بشتيرن وأرغون. هؤلاء الذين نراهم جالسين في العلا ومسوّرين بالأسلاك الشائكة، تحميهم القلاع الجديدة في الأعالي، هم أحفاد الهاغانا الذين جلبوا من شتى الأمصار، أناس كوزموبولوتيون، لا يجمعهم جامع، لا المكان الذي جاؤوا منه، ولا اللغة التي رحلوا منها، ولا التاريخ الثقافي والاجتماعي المشترك، بل يجمعهم وهم واحد نائم في سطور التوراة، يستمدون منه مطلباً شرعياً حديثاً ودولياً، هو أنهم في أرض عسلية، مترعة بالحليب وهم على ميعاد فوق هذه البقعة. من هنا تراهم ينفلتون بسعار محموم مزودين بمطاوٍ وأسلحة نارية تجاه السكان الأصليين، لغرض ابادتهم مثلما فعل الاميركيون البيض بالهنود الحمر. ومما تناقلته الألسن هناك: ان مجموعة من المستوطنين أمسكت شاباً فلسطينياً ودقت في جسمه المسامير، وآخر مثلت بجسده، حيث فقأت عينه وبترت أطرافه، الى آخر المشاهد من فنون التعذيب النازية. صديقنا الشاعر الأردني جريس السماوي ودّ أن يغادر بعد قضاء يوم واحد في رام الله، لالتزامه بمهمات في الأردن، لكنه عاد مرتعباً بعدما منعت عبورهم مجموعة من المستوطنين مستخدمة الحجارة ومواد حارقة لقذفها على السيارات العربية. بهذه الطريقة اسرائيل تنتحر ببطء، وكما قال الكاتب الاسرائيلي غروسمان صاحب كتاب "الزمن الأصفر": "آه وطني ينتحر ببطء"، وهنا نقول لغروسمان أهو وطنه حقاً؟ صحيح انه يدين ممارسات اسرائيل ضد الفلسطينيين في كتابه هذا، إلا أنه لا يريد الاقتناع بأن هذه الأرض هي ليست له "ففلسطين للعرب كما هي انكلترا للانكليز وفرنسا للفرنسيين" على حد تعبير الزعيم الهندي غاندي. في اليوم التالي لوصولنا الى رام الله، حيث مركز اقامتنا، تغيرت طبيعة المهرجان، وهذا أمر طبيعي في هكذا أوضاع، نرجئ الشعر لنعيده الى محله في الخيال، وهو سيعيد في ما بعد ترتيب هذا المشهد الدامي الدائر الآن فوق هذا التراب الباذخ. برنامجنا كان عيادة جرحى الانتفاضة في المستشفيات. كان المشهد لا يشي بغير الأحمر. مشاهد ليس في وسع الشاعر التحديق إليها طويلاً رؤوس تورهمت ونتأت نتيجة اطلاق الرصاص الحي المدروس الهدف، في إحدى غرف الأطباء، عرض علينا الطبيب عيّنات من الرصاص، أخذت واحدة وفحصتها، فإذا بها رصاصة ثقيلة ولكنها للخداع مغلّفة بمطاط خفيف، ينتأ شكلها الرصاصي، ويبرز مخترقاً غلافه المطاطي، هناك رصاصات عيار 500 تقذفها مدافع "لاو" وفي إحدى مطالعاتي الميثولوجية، وجدت أن هذا الاسم هو اسم آلهة كنعانية مثله مثل إيلات وغيرها. مساء التقانا الرئيس ياسر عرفات، قبل ذهابه الى باريس بدقائق في مكتبه، جاءنا بابتسامته المعهودة ومن فوقها يطل بريق عينيه الذكيتين اللعوبتين، آخر مرة رأيت فيها أبا عمّار، كانت في بدايات حصار بيروت، في إذاعة الثورة الفلسطينية التي كنت أعمل فيها، حدّقت في كتفيه اللتين ناءتا بأثقال زمنية لا تحصى، كم مرّ في كمائن أعدّت له، ثم خرج سالماً منها. ناضل وحارب ولعب وتكتك، وكم حملت هاتان الكتفان من آلام وأحلام شعب، مأساته كلّفت قرناً من الأحداث والحروب والهجرات، وسلسلة لا تنتهي من التضحيات. لضيق المكان جلسنا متراصّين، أبو عمّار جلس الى طاولة صغيرة كانت موضوعة في وسط المكتب، ورفض أن يأتوه بكرسي. في هذه الجلسة القصيرة، قال أبو عمّار: إن باراك لا يخيفه ببجاحته وعنجهيته وعنفه مطلقاً وإنه ليذكره بصموده عام 1982 في بيروت، حيث كانت هناك قوة عسكرية هائلة، تقصف من السماء والبر والبحر ولكنها لم تثن من عزيمة المقاتلين ولا من إرادة القوى اللبنانية والعربية آنذاك. بعدها التقطنا صورة تذكارية مع الرئيس الذي غادرنا وترك في نفوسنا أملاً بالانتصار. ليلاً وقرابة الساعة الثانية عشرة اشتد القصف في محيطنا، محل إقامتنا كان جد قريب من مستوطنة "بيت إيل" في رام الله، والمستوطنون يتصفون بعدوانية غير طبيعية، وهم أكثر بشاعة من الجيش الاسرائيلي نفسه. هذا ما شاهدته ولمسته في كل مكان من أرض فلسطين.