القمة الاقتصادية التي افتتحت في دافوس امس هي أهم ما نظم المنتدى الاقتصادي العالمي منذ انشائه قبل 30 عاماً، فهناك أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة بين الحاضرين، يتقدمهم الرئيس بيل كلينتون. شخصياً ليست لي بالاقتصاد معرفة أو اهتمام، غير ان منتدى دافوس اجتذبني بعد اتفاقات اوسلو سنة 1973، وحضرته آخر مرة سنة 1997 ورئيس وزراء اسرائيل هو وجه الشؤم واللؤم بنيامين نتانياهو، ورأيته يدور في القاعات بكل عنصريته وأحقاده، فقررت ان اتجنب المؤتمر ما دام يحضره. والواقع ان سياسات نتانياهو أدت الى الغاء المؤتمر الخاص بالشرق الأوسط سنة، وغبت عن السنة الأخرى، الا انني هناك هذه المرة، ورئيس وزراء اسرائيل ايهود باراك. ولن أقول انه أفضل من نتانياهو، فهذا تحصيل حاصل، لأن "زطّ عوين" أفضل من رئيس الوزراء السابق. لم يكن نتانياهو وحده، الا ان ظله الثقيل صبغ المؤتمر فقد كان هناك الرئيس مبارك وأبو عمار، وتابعنا الأول والثاني، وكنت معهما على عشاء كتبت عنه في حينه، فقد اقبلت عليّ النساء الأميركيات يطلبن مساعدتي ليوقع لهن ابو عمار الجالس أمامي على بطاقات الدعوة أو قائمة الطعام. وكنت أرى نتانياهو على بعد طاولتين مني، فلم تقترب منه أكثر من ثلاث مدعوات أو أربع. غير ان مؤتمر هذه السنة أهم من أي مؤتمر سابق حضرته أو غبت عنه، فهناك رقم قياسي من الزعماء العالميين، وكان يفترض ان يكون باراك واحداً منهم فيعقد قمة ثلاثية مع الرئيس كلينتون والرئيس عرفات، إلا انه تخلف توقعاً لمتاعب داخلية بسبب تقرير أصدره مع افتتاح المؤتمر مراقب حسابات الدولة ويتناول فيه الجمعيات التي لا تستهدف ربحاً والتي تبرعت لحملة باراك الانتخابية، فقد سرت شائعات عن ان التقرير سينتقد حلفاء لباراك، وقد يتناول باراك نفسه. وربما لاحظ القارئ انني تحدثت حتى الآن عن قمة دافوس وكأنها معنية بالشرق الأوسط وحده، الا ان الواقع ان منطقتنا واحدة من اهتمامات المنتدى، فهو يستطيع ان يزعم لنفسه فضلاً، او دوراً، في اعادة توحيد المانيا سنة 1990. ورئيس المنتدى ومؤسسه، البروفسور كلاوس شواب يستطيع ان يقول انه توقع ردود الفعل السلبية على العولمة، كما عبّر عنها المتظاهرون في سياتل، قبل سنوات من انفجارها، وحذر منها تكراراً. هذه السنة سيغيب الرئيس مبارك، كما سمعت، ولكن سيحضر الملك عبدالله الثاني عاهل الأردن ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، و1020 رجل أعمال عالمياً في مقدمهم بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت. الشركات العالمية الأعضاء في المنتدى تدفع 250 ألف دولار اشتراكاً، و12500 دولار بدل عضوية و6250 دولاراً عن كل ممثل لها في المؤتمر. أما الصحافي مثلنا فيدفع نفقات سفره واقامته فقط، لأن المؤتمر على أهميته يظل يحتاج الى من يتكلم عنه. وربما رأى صحافي في ذلك دليلاً على ان وجاهة القلم أهم من وجاهة الفلوس، الا انني شخصياً أفضل الفلوس قال فرنسي لسويسري: نحن نحارب من أجل الشرف، أما أنتم فمرتزقة تحاربون من أجل الفلوس. ورد السويسري: كل واحد يقاتل من أجل ما ينفعه. الواحد مثلنا لا يعرف ما ينفعه حتى يختلط برجال الأعمال العالميين في دافوس، فكل رجل من هؤلاء يمثل شركة يزيد دخلها على دول عربية كثيرة. وأكبر الشركات يتعامل بمبالغ تفوق دخل أوبك كله. وبعد 30 سنة من العمل الدؤوب أصبح المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه قصة نجاح اخرى، ومقره الجديد الجاري بناؤه على ضفاف بحيرة جنيف سيكلف 23 مليون دولار. وقد بلغ دخل المنتدى السنة الماضية 32 مليون دولار بزيادة 57 في المئة على سنة 1995. ومؤتمر دافوس وحده يدر على المنتدى 10 ملايين دولار. غير ان البروفسور شواب لا يستفيد شخصياً بشيء سوى مرتب محدود، فمؤسسته لا تبتغي الربح، وانما تنفق دخلها على مشاريع لبناء جسور بين الدول، وتدعيم علاقاتها الاقتصادية والانسانية. اليوم انا في دافوس، واذا اعتقد القارئ العربي ان لندن باردة فما عليه سوى ان يتذكر ان دافوس منتجع شتوي سويسري اشتهر قبل أي مؤتمر بالتزلج على الثلج. غير ان الفنادق مصادرة خمسة أيام او ستة لقمة اقتصادية لن أقول ان العربي فيها كاليتيم على مأدبة اللئام، فالمضيفون ليسوا لئاماً، إلا ان العربي يتيم على رغم ذلك.