أي دور تلعب الولاياتالمتحدة الآن في التوتر بين ايران وافغانستان؟ هل تريد حرباً في منطقة ملتهبة يحفّ بها السلاح النووي واسلحة الدمار الشامل كافة؟ هل ان واشنطن لا تزال تسعى الى مزيد من الانتقام من ايران في نزاع محوره ديبلوماسيون مخطوفون او مُعتقَلون او مُرتهنون؟ اسئلة كثيرة فرضها التصعيد الاخير بين طهران و"طالبان"، وفرضها خصوصاً اقحام واشنطن نفسها برسائل ذات لهجات مختلفة بعضها علني وبعضها الآخر سري وجهها الاميركيون الى الطرفين. ليس سراً ان الولاياتالمتحدة رغبت ولا تزال ترغب، منذ حرب الخليج الثانية، في استدراج ايران الى حرب ما تكون فرصة لتدمير الآلة العسكرية الايرانية المتجددة ولإنهاك الاقتصاد الايراني اكثر مما هو مُنهك. فهذا هو المؤدى الطبيعي والمنطقي لسياسة الاحتواء، بل هذا هو هدف تلك السياسة، لأن حصول الحرب يعني في الحسابات الاميركية إعادة ايران الى ما كانت عليه سابقاً كحجر على رقعة الشطرنج الاستراتيجي الاميركي. ويتساوى عند واشنطن ان تحدث هذه الحرب شرقاً او غرباً، وإن كانت تفضل ان تبعدها قدر الامكان عن منطقة الخليج منعاً لتفاعلات قد تصعب السيطرة عليها لاحقاً. من هنا ان التوتر الحاصل بين ايران و"طالبان" يأتي في "الاتجاه الايجابي" كعنصر طارئ يمكن استخدامه للعبث واللعب بالنار، خصوصاً ان الولاياتالمتحدة اعلنت حال طوارئ ضد الارهاب. وهي لا تزال تعتبر ان الارهاب يعني ايران اولاً حتى لو لم تكن ايران معنية به. واكثر ما يقلق في هذا السياق ان ادارة كلينتون المضروبة بانعكاسات فضيحة مونيكا لوينسكي اظهرت منذ شهور تهافتاً غير مسبوق على افتعال او إشعال اي حدث دولي صالح للاستثمار، بقصد ابعاد الفضيحة عن التداول العام وتركيز الاضواء على الرئيس الاميركي وهو يقود السياسة الدولية بدل ان يضطر للاجابة عن اسئلة تتعلق بمغامراته الشخصية. هذا التهافت يخفي ايضاً ميلاً الى التهور المحسوب. فأميركا لا تخسر شيئاً من حرب ايرانية - افغانية، وانما لديها امكانات لتحصيل مكاسب منها. لذا فهي قد تدلي ببعض الكلام هنا او هناك، ظاهره للتهدئة والدعوة لضبط النفس الا ان هدفه هو الاستفزاز والبدء باصطناع اصطفاف اقليمي من اجل تحضير مسرح العمليات سياسياً وعسكرياً. ولا تأبه واشنطن للنتائج الكارثية التي قد تسببها تلك الحرب ومضاعفاتها، طالما انها تقترب من تحقيق بعض أجندتها للمنطقة. بمعزل عن الاهداف الاميركية، وهي مفضوحة، ينبغي ان لا يستسهل طرفا المواجهة المهمة التي يتبادلان الاتهامات والتهديدات في شأنها. فلكل منهما مشاكل ذات اولوية تتطلب كل الجهود والطاقات. واذا كانت "طالبان" تعتقل الديبلوماسيين الايرانيين لأسباب موثقة ومبررة فلا شيء يمنعها من اعلان ذلك والاحجام عن التصرف كعصابة طامحة لأن تصبح دولة. كذلك يفترض في الاممالمتحدة ان تبدي جدية حقيقية في معالجة قضية الديبلوماسيين الايرانيين بدل ان تتركها ألعوبة في ايدي الاميركيين او أي طرف آخر. اما ايران ففي مصلحتها ان لا تنجرّ او تجرّ نفسها الى حرب تعرف كيف تبدأها ولا تعرف كيف تنهيها. من الواضح ان دول المنطقة، امتداداً الى الخليج العربي، لا ترغب في هذه الحرب ولا في اي حرب على الاطلاق. ومن شأن ايران و"طالبان" ان تبقيا خلافهما في حجم تمكن معالجته بالوسائل السياسية.