الأتراك مستاؤون من اتفاق الفصيلين الكرديين الرئيسيين في كردستان العراق في واشنطن. مستاؤون لأنهم استبعدوا عن الاتفاق والمفاوضات التي سبقته. لكن من استبعدهم هو تحديداً من يقربهم في العادة ويعوّل عليهم في مهمات اقليمية تخريبية وغير سوّية. وهو تحديداً أيضاً من يغطي على كل الغسيل التركي الوسخ في الداخل، بل يتبنى السياسة الغبية التي تتبعها أنقرة في الملف الكردي الداخلي، ويسكت على ارهاب الدولة الذي يمارسه العسكر الترك ضد "مواطنين" أكراد في تركيا، تماماً كما يحمي ارهاب الدولة الاسرائيلي للحفاظ على احتلال الأرض الفلسطينية وتغذية اضطهاد الشعب الفلسطيني. انه الأميركي، انها الولاياتالمتحدة التي تعتبر تركيا قطعة أساسية على شطرنجها الاستراتيجي. لماذا استبعدت تركيا؟ على الأرجح، لأن الاتفاق البارزاني - الطالباني لا يشكل أي تغيير جوهري في أوضاع شمال العراق. فحتى الآن لم يتأكد ان الاتفاق سيعيد اللحمة بين الحزبين، أو بين المنطقتين، كما لم يتأكد ان خطوط التماس أزيلت أو ستزال قريباً، كذلك لم يقل أحد ان كردستان العراق ستشهد عودة الى حكومة واحدة موحدة، ومؤسسات واحدة، وبالتالي الى خزينة واحدة تنفق على جميع مواطني الشمال بمعزل عن انتمائهم الى هذه المنطقة أو الى ذاك الفصيل. لماذا استبعدت تركيا، اذاً؟ بالأحرى، لماذا يكون لها أصلاً "حق" في التدخل؟ ومن اعطاها هذا "الحق" طالما أنها لم تكتسبه بشكل قانوني وشرعي معترف به؟ بالطبع كان ذلك احدى غنائم الحرب التي قلصت وجود الدولة العراقية في الشمال. لكن تركيا برهنت على عجزها الرؤيوي في التعامل مع اكرادها، وبالتالي فانها لن تعامل اكراد العراق إلا بالمنهجية العقيمة ذاتها. حاولت تركيا الحل العسكري لتصفية حزب العمال الكردستاني، عبر حملات دورية انتهكت خلالها أراضي العراق، واستمالت هذا الفصيل الكردي أو ذاك تسهيلاً لمهمتها، لكنها لم تفلح. استهلكت الكثير من الوحشية ضد أكراد تركيا وأرزاقهم وقراهم وبلداتهم، ولم تفلح إلا في اشاعة الرعب والارهاب والقهر. لكن شيئاً لن يقنعها بأن مشكلتها داخلية أولاً، وان حلها سياسي ثانياً. الآن، يبدو ان عناصر عدة تجمعت لدى عسكر أنقرة للمضي في "بزنس الحرب" الى أقصاه. والذريعة موجودة دائماً في الافواه: الدعم السوري لحزب أوجلان. وبات هذا الدعم يستحق ان توسع حال الحرب الدائمة داخلياً، ضد الأكراد وضد الاسلاميين وضد كل فئة "مجتمع مدنية"، لتمتد الى الخارج. التحالف مع اسرائيل بدأ يبلور منطقه ويظهر ثماره. من جهة يعتبر العقل التركي أنه يمكن أن يحل مشكلته مع اكراده بحرب مع سورية، وفي المقابل يعتبر العقل الاسرائيلي ان أفضل مدخل للعودة الى "المسار السوري" في المفاوضات هو عمل عسكري لا تكون اسرائيل منطلقاً له وانما تؤمن له كل مستلزماته. فتكون مصلحة لطرفي التحالف. انهما طرفان اقليميان لكن وظيفتهما تخريب الاقليم لا العيش فيه أو التعايش مع بقية اطرافه. في أي حال، يصعب القول ان التركي والاسرائيلي يتصرفان بحكم توافق المصالح فحسب. انهما يتحركان ضمن "الترتيبات" الأميركية التي رسمت على أساس ابقاء المنطقة العربية في حال حصار أو احتواء. لا شك ان الاستفزاز التركي لسورية هو أحد الاستخدامات الأميركية - الاسرائيلية لتركيا، لكنه قد يكون جزءاً من مناورات أولية تستهدف العراق في المدى القريب، وليس جديداً أن العقل الأميركي - الاسرائيلي لم يفصل يوماً وبشكل حاسم بين سورية والعراق.