لا أحد يقرأ المستقبل بوضوح وتأكد، ولكن الماضي يفصح غالباً عن كل معطيات الاحداث... ويبقى ان نستطيع قراءتها. لنستقرئ المستقبل لا بد ان نفهم الحاضر، ولنفهم الحاضر لا بد ان نقرأ الماضي. لنعد مئة عام ونتأمل التاريخ. فالتاريخ بعد مئة عام افصح منه في وقت تبلور الاحداث ذاتها. العام 1319ه قرر الشاب عبدالعزيز آل سعود ان يعود من الكويت ليسترد الرياض ويؤسس الدولة السعودية الثالثة. وبين ذلك التاريخ ويومنا الراهن مرّ قرن من الزمان وضعت انجازاته المملكة العربية السعودية على خارطة الكون، لا كمجرد امتدادات صحراوية جرداء بل ككيان مهم له موقعه وأهميته في زمن الفعل العالمي. حين نتكلم عن بناء المملكة العربية السعودية لا بد ان ننظر الى موقعها اليوم وفي البال تلك الخطوات الأولى على الرمضاء بين الكويتوالرياض. ولا بد ان نستعيد افق النظرات التي عانقت حلماً بعيداً ثم حققته ممتداً على كل أرض الجزيرة بين البحر الاحمر والخليج، ذرى السروات ووديان تهامة لتوصلها في بضعة عقود الى مطلع القرن الواحد والعشرين مشاركة في عصر الفضاء. كان التوجه المستقبلي للمؤسس الطموح مثالاً صحيحاً اتبعه بعده اولاده، سعود وفيصل وخالد وفهد الذين توالوا من بعده على ادارة الدولة بمؤازرة من وقفوا في الصف الداعم لصانع القرار الأول. لذلك ليس من المستغرب ان تقفز احصاءات الملتحقين بالتعليم من الجنسين بكل المستويات الى ملايين خلال فترة اقل من خمسة عقود، وان تتساوى نسب الجنسين على مقاعد الدراسة، وان تتوالى الجامعات بشتى مناطق البلاد ليبلغ عددها الآن ثماني جامعات كبرى، وأن تتبارى المؤسسات في الاستثمار والمساهمة بنهضة البلاد الاقتصادية، وأن يجد القطاع الخاص المناخ دافعاً للمزيد من النمو حتى لتتنافس الخدمات الطبية الحكومية مع المستشفيات والمراكز الصحية الأهلية. وهكذا يحق للسعودية اليوم ان تفخر بخطاها وانجازاتها في اطار وقت قصير يؤهلها ان تصنف حالة فذة من النمو والاعمار الشامل. كان من أول هذه الخطوات مع الارتكاز على ثوابت الهوية الاصلية دينياً وقبلياً، ادخال فكرة التعليم الحديث من دون استعجال او تقمص اعمى يؤدي الى هشاشة النتائج، وبالتفاعل البناء واحترام متبادل مع العالم الخارجي، والمرونة في تقبل ايجابيات التقنيات الحديثة. هنا نجد حكمة الاستفادة من كل القوى الداعمة الموجودة محلياً، ومنها الدعم المتبادل مع الإمام محمد بن عبدالوهاب في حركة تنقية الدين من الشوائب والبدع، والتفاعل مع القوى السياسية العالمية الكبرى وتعيين الأمير فيصل وزيراً للخارجية، والبدء في تأسيس نظام تعليم عام على أسس حديثة، مستقطباً كل الطاقات المحلية الموجودة وقتها في تأسيس نظام تعليم يقوم على احترام الجذور الدينية من رجالات من اسر محترمة مثل السيد طاهر الدباغ، وتعيين الأمير فهد بن عبدالعزيز اول وزير معارف، وتأسيس نظام مالي يعتمد عليه في تسيير شؤون الدولة النامية بتأسيس اول وزارة مالية، والتواصل مع المستجدات الحضارية والسياسية خارج الجزيرة. ولقد وضع عبدالعزيز اولى لبنات التنمية وواصل ابناؤه كما سيواصل احفاده تشييد البناء على أرض راسخة من الايمان والانتماء.