الدكتور حمزة ابن الرجل الزاهد الرباني الشيخ محمد السالم، الذي عرفت وزاملت في أول دورة من دورات مجلس الشورى، بعد أن حدّثه الملك فهد رحمه الله في عام 1993، اقتصادي مهني، لا يحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد فحسب، وإنما يفكر كما يفكر الاقتصاديون، حسب تعريف مَن يعتبره الكثيرون أهم علماء الاقتصاد في القرن العشرين. والدكتور حمزة السالم، حالياً، يُدَرّس علم الاقتصاد في جامعة الأمير سلطان في الرياض. لم التقِ الدكتور حمزة ولا أعرفه شخصياً، ولكن أعرفه من خلال ما يكتب. وما أكثر من يكتبون عن الشؤون الاقتصادية والمالية في الصحف السعودية، غير ان الدكتور حمزة تميز عن الكثيرين، ليس لأن كل ما يكتب يعكس فهماً وتعمقاً في أسس علم الاقتصاد، وهذا بحد ذاته يكفي للثناء على جودة ما يكتب. وإنما أيضاً لأنه جمع بين معرفة علمية مهنية في حقل الاقتصاد وإحاطة وفهم لما كتبه قادة الفكر الشرعي السابقون في المجالات التي لها علاقة بالمعاملات الاقتصادية. ويقول ثقات ممن عرفوا جد الدكتور حمزة (والد أمه)، إنه كان شيخاً زاهداً يقضي جل يومه في الحرم المكي الشريف بين التدريس والعبادة، فهو نشأ وترعرع في بيت علم شرعي. وحفظ القرآن كاملاً قبل ان يبلغ ال 12 من عمره ولا يزال يحفظه. ولا اعلم من أي جامعة أميركية حصل على الدكتوراه في علم الاقتصاد، ولكن هذا غير مهم، المهم أنه ألمَّ بما لم يُلِمَّ به الكثيرون ممن حصلوا على الدكتوراه في علم الاقتصاد من جامعات أميركية جيدة. وفي أوائل السبعينات، كُتبَت المجلدات وأقيمت المؤتمرات عمّا تمت تسميته حينئذٍ وبعدئذٍ ب «الاقتصاد الإسلامي». وأكثرية ذلك الكم الضخم هي عبارة عن تكرار مواضيع إنشائية ووصف وتمنيات لما ينبغي ان تكون عليه المعاملات الاقتصادية بين المسلمين من جهة والمسلمين وغيرهم من جهة أخرى. بالطبع لم يثمر ذلك الجهد، الذي ربما بدأه مَن خَلُصَتْ نياتُهم وحَسُنَتْ مقاصدُهم، أيَّ علم موضوعي حقيقي، فالعلم المجرد لا علاقة له بمعتقد أو مكان أو زمان، فعلم الكيمياء هو علم الكيمياء، ولا يوجد علم كيمياء مسيحي أو بوذي أو إسلامي. ويدرّس العالم المسلم الدكتور أحمد زويل علم الكيمياء ويفهمه كما يدرّسه ويفهمه أي نظير له غير مسلم. وقد بيّن الدكتور حمزة بن محمد السالم، أن أكثرية ما يسمى من المعاملات الاقتصادية بمسميات شرعية، أنه ليس لها من الشرعية إلا اسمها، لا محتواها، فالحكمة كما أوضح الدكتور السالم مراراً وتكراراً، ليست بالشكل ولا بالنص المسلوخ من مناسبته، وإنما بالمقصود والمستهدف تحقيقه. فعلى سبيل المثال، إذا تجاوزت العمولات أو الأرباح أو الفوائد التي يتقاضاها من يزعم انه منح القرض تحت مسمى «الصيرفة الإسلامية»، مجموعَ أو نسبةَ الفوائد التي تتقاضاها البنوك التجارية المعتادة، فلا يجد الدكتور حمزة السالم حسب فهمه لعلم الاقتصاد وحسب ما درسه بعناية وفهم من أصول العلم الشرعي (معاً)، مانعاً شرعياً أو اقتصادياً يملي على المسلم الملتزم تحمّل تكاليف أكثر قد تصل الى الثلث أو حتى الضعف أحياناً تحت مسمى إسلامي، إذا وجد ما يفي بحاجته وحصوله على القروض الأقل تكلفة من بنوك تجارية عادية تحت مسماها المألوف، من دون لف ودوران وحيل تفي بالشكل لا بالمضمون المقصود. إن الخلفية الشرعية للدكتور حمزة وبيت العلم الذي نشأ فيه ومحيطه الاجتماعي وحفظه المبكر للقرآن ودراسته المتعمقة للمدارس الشرعية القيادية ثم إلمامه وفهمه الواضح لأسس علم الاقتصاد الحديث، تجعل من الصعب ان لم يكن من المتعذر المزايدة على الدكتور حمزة، لا من حيث العلم الشرعي في ما يخص البيوع أو المعاملات، ولا من حيث علم الاقتصاد. وغالبية من يكتبون عن الشؤون الاقتصادية والمالية من وجهة نظر شرعية بحتة وبمعزل عن الحد الأدنى من الإلمام بأسس علم الاقتصاد الحديث، لا يمكن ان يروا الصورة كاملة، وقد لا يرون إلا جزءاً يسيراً منها في أفضل الأحوال. أما إذا تهيأت لمسلم ملتزم ظفر بالجمع بين معرفة شرعية ومعرفة مهنية في علم الاقتصاد، فهذا هو من ينبغي أخذ ما يقول مأخذ الجد. وكما قال الأمير محمد ابن الإمام سعود بن فيصل، الملقب ب»غزالان» بسبب وسامته: ليا اجتمع زيني وحسن الفعايل جنة نعيم في الحشا وإن تلاقن والله من وراء القصد. * اكاديمي سعودي