أعلنت الحكومة السيريلانكية انتهاء الصراع مع متمردي «جبهة نمور تحرير التاميل» ومقتل زعيمهم فيلوبيلاي برابهاكاران. وأشار قائد الجيش السيريلانكي إلى أن العمليات العسكرية انتهت بعد سيطرة الجيش على آخر معاقل المتمردين. وبهذا وضع حد للصراع المسلح الذي خاضه المتمردون التاميل لأكثر من عقدين من الزمن ضد القوات الحكومية السيريلانكية. كانت حركة «نمور التاميل» منظمة مسلحة شديدة البأس. وحتى قبل سنتين كانت تتربع على أكثر من 15000 كلم مربع من الأراضي في شمال سيريلانكا، حيث شكلت ما يشبه الدولة، فكان لها جيش وشرطة ووزارات وميناء وطائرات وحتى مصرف مركزي. بعد انتخاب ماهيندا رجاباكسي رئيسا للبلاد، بدأت الرياح تهب عاتية على الحركة. فقد صمم رجاباكسي على استئصال شأفتها من الأساس وهو رفض الحوار مع قادتها بعد أن فشلت وساطات كثيرة قامت بها دول عديدة لإنهاء النزاع. ومنح الجيش السيريلانكي الضوء الأخضر لإبادة التمرد. وفي غضون شهور قليلة تضعضعت الحركة تحت ضربات الجيش وبدأت بالتراجع وفقدت رويداً رويداً الأراضي الخاضعة لسلطتها إلى أن تهاوت بالكامل. لقد بدا التمرد المسلح لنمور التاميل لفترة زمنية طويلة بمثابة أسطورة غير قابلة للقهر ولهذا ظهر الانتصار السيريلانكي شيئاً تاريخياً. تزامن اندحار نمور التاميل مع تطورات شهدتها تمردات مسلحة في أماكن أخرى في العالم. ففي إسبانيا أعلنت وكالة الاستخبارات عن اعتقال زعيم حزب باتاسونا، الجناح السياسي لإيتا، بعد أن أدانته المحكمة العليا بتهمة التشجيع والتحريض على الإرهاب. وقالت الوزارة إن الشرطة الفرنسية ألقت القبض على هذا الزعيم في قرية صغيرة اسمها مونتاوريول جنوب شرق فرنسا في اطار عملية مشتركة عبر الحدود مع اسبانيا. وما برح الباسكيون أنفسهم يعتبرون أن العنف الذي تمارسه منظمة إيتا يضر بشعب الباسك. وقال مسؤول باسكي: «إن منظمة ايتا لا لزوم لها في المجتمع ، إنها دخيلة على حياتنا. نحن بحاجة الى العيش في سلام. وممارسات هذه المنظمة غير مبررة ولا تجلب لشعب الباسك سوى الأذى، العنف لا يحقق شيئاً». وتعهد رئيس الوزراء الإسباني لويس خوسيه ثاباتيرو بانتهاج سياسة حازمة حيال التهديدات التي أطلقتها منظمة إيتا الانفصالية بعد أن أعلنت تخليها عن اتفاق سابق لوقف إطلاق النار دام 15 شهرا. وقال ثاباتيرو إنه لن يتساهل مع تهديدات الإرهاب إذ أن السياسة لا تتم إلا في جو من السلام وأن منظمة إيتا ستجد المجتمع الإسباني مصمماً على الدفاع عن قيمه ومؤسساته كما أن الحكومة مستعدة لمواجهة الإرهاب كيفما كان. وكانت إيتا بدأت نزاعها المسلح للحصول على إستقلال إقليم الباسك الذي يقع بين شمال إسبانياوجنوب شرق فرنسا منذ الستينات من القرن الماضي واسفر العنف عن مصرع أكثر من 800 شخص. وفي تركيا تتصدر الساحة مشكلة حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مسلحاً ضد الدولة. ويستقر مقاتلو الحزب في مناطق جبلية وعرة من كردستان العراق ينطلقون منها لشن هجمات على الأراضي التركية. وتحاول الأطراف السياسية في العراق إيجاد مخرج لمسألة تواجد متمردي الحزب داخل الأراضي العراقية، غير أن وعورة المنطقة التي يتواجدون فيها تجعل من الصعوبة إلقاء القبض عليهم أو إخراجهم وطردهم خارج العراق. وتحاول الجهات العراقية دفع الحکومة الترکية إلى حل مشکلتها مع حزب العمال الکردستاني داخل تركيا وإصدار عفو عام كي يغادر هؤلاء مواقعهم في العراق. وقد بدأ الحزب العمالي نشاطه العسكري منذ سنة 1984 وشهدت ثمانينات وتسعينات القرن الماضي أشد فترات الصراع الدموي بين مقاتلي الحزب والجيش التركي، وتذهب بعض الإحصاءات إلى أن مجموع من قتلوا في خضم هذا الصراع حتى الآن يزيد عن 40 ألف شخص. ولم تقتصر عمليات مسلحي الحزب على الجيش التركي بل شملت المدنيين أتراكا وأكراداً وخصوصا المتعاونين مع الحكومة التركية، كما شملت بعض السائحين الأجانب. وترفض الحكومة التركية إجراء أي حوار مع حزب العمال الكردستاني مؤكدة أن أمراً كهذا سيكون مثل دعوة تنظيم القاعدة إلى طاولة المفاوضات. والآن تحاول حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية التعاون مع القوات التركية لإخراج مقاتلي هذا الحزب من معاقلهم الجبلية من أجل تحسين علاقات حسن الجوار مع تركيا التي تربطها بالعراق وإقليم كردستان علاقات اقتصادية قوية. وفي العراق بدأ البحث عن حل لمشکلة تواجد منظمة مجاهدي خلق على الأراضي العراقية. وتبذل الحکومة العراقية الجهود لإقناع إيران بإصدار جوازت مرور لعناصر مجاهدي خلق للانتقال إلى دولة اخرى. ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية أو «مجاهدين خلق» (بالفارسية: سازمان مجاهدين خلق إيران) هي أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية، تأسست عام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين بهدف إسقاط نظام الشاه. وقد لعبت المنظمة دورًا كبيرًا في انتصار الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. وبعد انتصار الثورة ظهرت خلافات بينها وبين نظام الحكم الإيراني الجديد وصلت بعد عامين إلى حد التقاتل في صراع دموي ما زال مستمراً حتى الآن. وقامت الحكومة الإيرانية بإعدام عشرات الآلاف من أعضائها والمنتمين إليها. بعد الانتصار العسكري الحاسم الذي حققه الجيش السيريلانكي على نمور التاميل، أعلن هؤلاء ترك السلاح ونبذ العنف ومواصلة نشاطهم من أجل مطالبهم بالوسائل السلمية. ومثل هذا الأمر ينطوي على دروس مفيدة يتحتم على ممارسي العمل المسلح التمعن ملياً فيها. أول هذه الدروس وأكثرها إفصاحاً هو ضرورة الإسراع في الركون إلى العمل السلمي وترك السلاح قبل أن تتكفل الجيوش المعنية بتحقيق ذلك. وتعتبر تجربة الجيش الجمهوري الأيرلندي نموذجاً قابلاُ للاحتذاء من حيث الانتقال من النشاط العنفي المسلح إلى العمل السلمي. لقد تأسس هذا التنظيم كقوة مسلحة تعتمد حرب العصابات (وضع المتفجرات في كمائن ضد الجيش والشرطة وشن غارات مفاجئة وعمل الاغتيالات... الخ) لتحرير إيرلندا من الحكم البريطاني. وبعد فترة طويلة من سفك الدماء امتدت عقوداً متتالية قرر الجيش الجمهوري الإيرلندي التخلي عن السلاح والسعي لتحقيق أهدافه بوسائل سياسية فقط. * كاتب كردي.