في لندن تبدأ أحاديث المجاملة بالحديث عن الطقس، وفي الرياض تبدأ غالباً بالحديث عن الزحام المروري، وكلا الحديثين يقود إلى التذمر غالباً، أو الاستياء الذي تخفيه ابتسامة لا تعبير فيها، ولولا شكلها المعتاد، لظننتها أحد تمارين عضلات الوجه والفكين. في كل المناطق السعودية، كان الجميع ينتظر المطر بلهفة، بحب تستغربه بعض الشعوب منا، وتتفهمه من قاربت ثقافة الصحراء وأبجديات «الحيا» وتحيات المطر المختلفة، ويبدو أن ذلك يتغيّر جزئياً، فلا يزال الجميع يحبون المطر، لكن البعض يفضله خارج مدينته، خصوصاً إذا كانت من النوع الذي لم تكتمل فيه مشاريع تصريف السيول، والرياض كما أوضح أمينها من هذه المدن، وهو حذّر قبل العيد من عواقب عدم وجود تمويلات كافية لإنهاء مشاريع التصريف في العاصمة. لا يمكن لوم بعض الناس على توجسهم من نزول المطر، أو بدقة أكثر رغبتهم في أن يكون في الإجازات الأسبوعية، إذ لا يضطرون إلى الخروج لأعمالهم ومدارسهم، أو على الأقل مطر ليلي بعد منتصف الليل، لعله في الصباح يكون قد تبخر أو تم «شفطه» من آليات الأمانة. إحساس المطر لا يمكن أن يكون التوجس، انه استشعار جمال، واستنشاق رائحة الأرض معطرة بماء السماء، واستلهام حنان المنان على خلقه الذين لم يتعلم البعض منهم شيئاً منه، وقسوا على هذا الإحساس، لمجرد أن الطرقات تقفل، والأنفاق تغرق، وكل ما تعرفونه عن الموسم، خصوصاً في موقع «اليوتيوب» وغيره. حسناً، تأمل وحاول الحكم أيهم على حق، من سيضحي بقناعته الروحية عن القطر، في سبيل معيشته وأمور حياته، أو من سيضحي بسلامته وسلامة الناس، ويعتبر الأمر جزءاً من «طقوس» المطر، وأقدار مكتوبة على البشر؟ دينياً لا نقاش في المسألة، لحضور الماء والمطر في آيات الله، ولوجود صلاة الاستسقاء كفرض كفاية، ولكن البعض يبوح بمخاوفه على نفسه وأطفاله وممتلكاته، ولسان حاله يقول أو يتساءل: هل سيرتاح ضميري لو كان دعائي بالخير للأرض في استثناء، كأن أقول اللهم أمطر الرياض ما خلا نفق العليا ونفق مخرج 9؟ أو أقول اللهم أمطر جدة ما عدا مناطق مخططات الأودية؟». صراع بين الحب والخوف يعيشه البعض، والمشكلة أنهم لا يستطيعون البوح به، خشية تفسيرات من حولهم، خصوصاً تلك المتعلقة بالتوكل والتواكل، وهو صراع لن ينصفهم فيه أو ينقذهم منه سوى التفاتة جادة لتقويم الوضع من المسؤولين، ومنهم أمين العاصمة الذي يشير إلى مكمن خلل، ويتمنى ونتمنى معه أن يجد السبيل إلى حله. سيبقى المطر نعمة الله على خلقه، وسيظل موسيقى روح نراقص بها رمل الوطن، وسيبقى حبه أقوى من الخوف منه. [email protected]