من يحدد أهمية الكتاب أو الرواية أو الديوان الشعري: الناقد، أم القارئ، أم الصحافة ووسائل الإعلام، أم الناشر النشط الذي يعرف كيف يروّج للكتاب ويجعله جديث الناس خلال فترة صدوره؟ أي جهة في هذا العصر في مقدورها أن تصدر حكم قيمة على الأعمال الأدبية؟ تراجعت القيمة، أو ما يسمى في النقد حكم القيمة، إلى خلفية اهتمامات النقاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين في المراكز الثقافية في العالم، أي في البلدان التي تنتج النظريات الأدبية وتحسن الترويج لها، وتجعلها معياراً لقراءة الأعمال الأدبية. وقد انعكس هذا التحريم، الذي وضع على حكم القيمة، على النقد العربي خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، أي في فترة ازدهار الحلم البنيوي ووهم الاشتغال على علم الأدب. لكن حكم القيمة يعود ليطل برأسه الآن في مرحلة يتوهم نقاد عرب فيها أنهم يدخلون زمان النقد الثقافي. لكن يبدو لي ان السبب الفعلي للعودة إلى التفكير بحكم القيمة يتصل بشحوب سلطة الناقد الأدبي الذي عزل نفسه عن الدوائر الأوسع من القراء، وفضل الاشتغال على النظرية أو ترجمتها، أو كتابة بحوث ودراسات يغلب عليها التقميش واللصق وكثرة الإشارة إلى آراء النقاد الغربيين الذين ينقل عنهم. تناسى الناقد العربي دوره التنويري فتآكل حضوره بين القراء، وأصبح سجين صورته كمتخصص وأستاذ جامعي. ومن هنا، فإن عودة الحديث عن حكم القيمة متصلة برغبة الناقد في استعادة دوره وسلطته بصفته صاحب الكلمة الأخيرة في الحكم على الأعمال الأدبية وتحديد ما يستحق الاهتمام والقراءة، والحديث عما هو قادر على الصمود منها في وجه سلطة الزمن العاتية. بغض النظر عن الأسباب الفعلية التي تقيم في عودة حكم القيمة، الذي كان نقاد النصف الثاني من القرن العشرين يعيبون الحديث عنه ويعدونه من مخلفات النقد الانطباعي التاريخي العتيق، فإن عودته تؤشر إلى تحول في الزمان الأدبي، ودورة جديدة لفهم علاقة النص بالمؤلف والقارئ، وكذلك معرفة ما تؤديه دور النشر ووسائل الإعلام، والمواقع على الشبكة الإلكترونية، والفيس بوك، والتويتر، والتعليقات على المواقع، من حكم قيمة مباشر على الأعمال الأدبية. إننا ندخل عصراً جديداً قد لا تكون الغلبة فيه للقارئ المتخصص، للناقد أو الأستاذ الجامعي الذي يدرس الأدب ويكتب بحوثاً للترقي في السلّم الأكاديمي. ومع ذلك، فقد تنتج وسائل الاتصال الجديدة السريعة، التي تحيا معنا وتوجه حياتنا، وتجعلنا أسرى لها، مكبلين بشاشاتها، أشكالها النقدية وطرقها ومعاييرها في الحكم وخلق مراتب للأعمال الأدبية التي تنشرها دور النشر أو تسبح في أوقيانوس الشبكة العنكبوتية. ليس التوزيع إذاً هو معيار القيمة وحده. صحيح أن هناك كلاماً كثيراً في النظرية النقدية في الوقت الراهن حول تضافر عوامل عدة في تحديد حكم القيمة، وضرورة إعادة النظر في ما يسمى الرواية الشعبية أو الرائجة التي يقبل القراء عليها، وعدم النظر إليها بقدر كبير من الاستخفاف، لكن ذلك كله لا ينفي أن النقد وتاريخ الأدب، والحكم استناداً إلى معايير النوع الأدبي وما تراكم على مدار السنوات من خبرات فيه، هو ما يجعلنا نقول إن هذا عمل كبير وهذا عمل لا يضيف إلى ميراث النوع الأدبي، أو أنه قادر أن يغير من مسارات تطور ذلك النوع. من الصعب اعتماد أمزجة القراء المتغيرة للحكم على أهمية رواية ما، ومن الصعب أيضاً الكلام على مركزية عمل كاتب في فترة معينة نظراً لكونه يوزع أكثر من غيره، ففي البلدان الغربية تبيع الروايات الشعبية المسلية ملايين النسخ، ولكن أياً من كتابها لا ينظر إليه بجدية.