لم تكن الغالبية العظمى من الشعب الفرنسي تعرف شيئاً عن لاعب يافع اسمه خافيير هرنانديز، لكن من المؤكد ان هذا الوجه الطفولي سيبقى عالقاً في أذهانهم لاعوام طويلة لانه قد يكون المسؤول عن «اغتيال» حلمهم بتعويض خيبة نهائي مونديال ألمانيا 2006 واستعادة ذكريات الشانزيليزيه قبل 12 عاماً عندما توج «الديوك» بلقب ابطال كأس العالم للمرة الاولى في تاريخهم. بدا جلياً الخجل على وجه هرنانديز خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد المباراة اثر المواجهة التي جمعت منتخب بلاده بالفرنسيين على ملعب «بيتر موكابا ستاديوم» في بولوكاني، لكن المهاجم الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره لم يكن خجولاً على الاطلاق عندما دخل في الدقيقة 55 من اللقاء ليعبر عن نواياه بوضوح ويوجه بعد تسع دقائق فقط ضربة شبه قاضية لآمال «الديوك» في التأهل الى الدور الثاني بعدما كسر مصيدة التسلل قبل ان يراوغ الحارس هوغو لوريس ويضعها في الشباك الخالية. ممهداً الطريق امام البديل الآخر، المخضرم كواتيموك بلانكو (38 عاماً)، لاطلاق رصاصة الرحمة على الفرنسيين ومدربهم ريمون دومينيك من ركلة جزاء سجلها في الدقائق العشر الاخيرة. «انا سعيد ليس بسبب تسجيلي الهدف او حصولي على جائزة افضل لاعب في المباراة وحسب، بل لان الانتصار يحمل معه فرحاً عارماً للمكسيك بأكملها»، هذا ما قاله هرنانديز الملقب ب «شيخاريتو»، اي حبة البازيلاء الصغيرة، بعد ان وضع المكسيك على مشارف التأهل الى الدور الثاني للمرة الخامسة على التوالي، مانحاً «تريكولور» ايضاً فوزه الاول على منافسه الفرنسي من اصل سبع مواجهات، بينها ثلاث مرات في كأس العالم واولها عام 1930 عندما افتتح لاعب الاولى لوسيان لوران السجل التهديفي للنهائيات ليقود منتخب بلاده للفوز 4-1، ثم سجل «الديوك» فوزهم الثاني خلال نسخة 1954 (3-2)، فيما انتهت المواجهة الثالثة بالتعادل (1-1) عام 1966 وجميعها في دور المجموعات. وما لا يعرفه ايضاً معظم الفرنسيين ان هذا الوجه الطفولي كان يخبئ خلفه «لا فينغاثا»، الثأر للعائلة، لان خافيير ليس اللاعب الوحيد من عائلته تواجه مع الفرنسيين، بل ان جده توماس بالكازار كان ضمن التشكيلة التي خسرت امام «الزرق» في 19 حزيران (يونيو) 1954 خلال نهائيات سويسرا وفي مباراة اعتقد خلالها الجد توماس انه منح بلاده نقطتها الاولى في الدور الاول بعدما ادرك التعادل 2-2 قبل خمس دقائق على النهاية، لكن ريمون كوبا خطف الفوز للفرنسيين من ركلة جزاء سجلها قبل دقيقتين على صافرة النهاية. من المؤكد ان الجد الذي كان من اساطير الكرة المكسيكية بعد ان توج مع غوادلاخارا بلقب الدوري المحلي 8 مرات في 10 اعوام، يشعر بالفخر تماماً من حفيده الذي جعل دومينيك فاقداً للكلمات وعاجزاً عن وصف الخيبة التي يشعر بها، وجعل فرنسا تفقد السيطرة على مصيرها لان تعادل المكسيك والاوروغواي في الجولة الاخيرة سيطيح بها خارج النهائيات وحتى ان فازت على جنوب افريقيا المضيفة. ورأى هرنانديز الذي ينحدر من عائلة كروية بامتياز لان والده كان لاعباً دولياً ايضاً، بان الفوز الذي حققه منتخب بلاده هو الخطوة الاولى وحسب، مضيفاً الطريق طويلة، نحن لا نفكر حتى الآن بمباراتنا مع الاوروغواي». ويأمل هرنانديز وزملاؤه الخروج على الأقل بنقطة من مباراتهم مع الاوروغواي من اجل التأهل إلى الدور الثاني بغض النظر عن نتيجة المباراة الثانية، لكن الفوز سيكون مهماً جداً لأنه سيجنب «تريكولور» مواجهة نارية وصعبة للغاية مع الأرجنتين، متصدرة المجموعة الثانية، وهو ما يقلل من حظوظ المكسيكيين في بلوغ ربع النهائي للمرة الأولى منذ 1986 عندما كان «تريكولور» يضم في صفوفه خافيير هرنانديز اخر، وهو والده الجناح الأيسر الذي اشتهر بسرعته الفائقة وعرف أيضاً بلقب «حبة البازلاء» بسبب قامته القصيرة، إلا أن الأخير لم يلعب سوى دقيقة واحدة في النهائيات بسبب صغر سنه (19 عاماً حينها). لكن هرنانديز الحالي، يريد ان يحقق في هذه النسخة أكثر مما اختبره «شيخاريتو 1986»، ويريد أن يسجل اسمه في تاريخ الكرة المكسيكية. وعلى رغم أن هرنانديز ظهر إلى الساحة للمرة الأولى عام 2006، فإن بدايته كانت واعدة، إذ أحرز هدفاً في أول مباراة له كمحترف، لكنه احتاج لبعض الوقت لكي يحقق انطلاقته الحقيقية في غوادلاخارا في ظل وجود مهاجمين من أمثال عمر برافو وادولفو باوتيستا والبرتو ميدينا. وانتظر «شيخاريتو» ثلاثة أعوام ليجد طريقه إلى الشباك للمرة الثانية، لكن منذ تلك اللحظة لم يضل طريقه إلى شباك الخصوم أبداً، وفي المباريات ال 38 الأخيرة التي خاضها كلاعب أساسي سجل 23 هدفاً، وهو اكبر عدد من الأهداف يسجله احد المهاجمين المكسيكيين في السنوات الأخيرة. فرض هرنانديز نفسه بامتياز الفتى الذهبي الجديد في كرة القدم المكسيكية، ولا عجب في ذلك، فهو ورث اللعبة عن والده وجده، وقبل أن يتجاوز عمره ال21 كان قد تربع على عرش الإثارة الكروية في بلاد الازتيك، ممطراً الشباك بالأهداف، ومستحوذاً على قلوب المشجعين بقدراته المذهلة أمام مرمى المنافسين. ترك هرنانديز المكسيك وتوجه إلى جنوب أفريقيا وهو يتصدر ترتيب هدافي الدوري برصيد 10 أهداف من 11 مباراة، لكنه لن يتمكن من تعزيز هذا الرصيد في دوري بلاده لأنه سيتوجه بعد كأس العالم إلى انكلترا ليلعب الى جانب واين روني في مانشستر يونايتد. «انه مهاجم شاب مثير، كان في قمة عطائه إن كان مع فريقه أو المنتخب الوطني. سيكون إضافة رائعة إلى فريقنا ونحن نتطلع بفارغ الصبر هذا الصيف للترحيب بأول لاعب مكسيكي في صفوفنا»، هذا ما قاله مدرب مانشستر اليكس فيرغوسون عن هرنانديز الابن والحفيد الذي يتحدث بحكمة عن خوضه العرس الكروي العالمي قائلاً: «أنا مثل اي لاعب، تمثل المشاركة في كأس العالم حلماً بالنسبة لي. انه هدف نراه جميعاً، والحلم لا يكلف شيئاً، واريد ان اكون في غاية الهدوء، انها فرصة جميلة يجب ان نستمتع بها ونعمل بكل جد واجتهاد». ويختم قائلاً: «دائماً توجد عزيمة قوية من اجل المشاركة ولكنني سعيد للغاية لوجودي هنا، أنا انظر لأمر باعتباره فرصة لإظهار نفسي. انها أهداف ننجزها، وأحلام نحققها، ويجب استغلال الفرصة، هذا هو أهم ما في الأمر».