للجنادرية حضور لا يشبه غيرها من الفعاليات السنوية في السعودية، فرحة الحضور، وزحام العارضين، والمعروضات تسابق الكل إلى الفوز بالإعجاب، وبرودة الأجواء التي تذكر الجميع بهيبة شتاء العاصمة الرياض، لكن التنوع وقيمة المعرفة والوقوف على التفاصيل تبقى أبرز سمات هذه الفعالية. بين أقسام تروي حضارة المناطق وأخرى تروي تقاليد دول الجوار، يتيه الزائر في زحمة الخيار باحثاً عما يبدأ به تلك الرحلة. يقودك عبق العطور الخليجية الأصيلة إلى الجناح الإماراتي، وبكرم ضيافة يروي عمق العلاقة يأبى الضيوف إلا أن تطول الزيارة، أناقة المجلس لها مكانة خاصة في قلوب السعوديين، وكذلك يفعل ارتباط الشعبين والعلاقات الأخوية الضاربة في جذور التاريخ والجغرافيا. حول الجنادرية تنتشر رائحة المأكولات الشعبية الأصيلة، لتشكل مع العود والبخور مزيجاً فريداً من روائح يعرفها السعوديون، وبين هذه وتلك تجبرك أنغام الفرق الشعبية على التوقف مرة هنا وأخرى هناك. وكما ينجذب النحل إلى الزهور، ينجذب الزوار إلى العسل، إذ لا يكاد يمر زائر على ركن العسل في جناح عسير، إلا ويتذوق شهده، وعلى رغم توافر العسل في الأسواق المحلية، فإنه يحضر في الجنادرية بنكهة خاصة، ولاسيما أن ضيف الجناح يتعرف في رحلته على مراحل تكون العسل قبل تذوقه، فينبهر بخلاياه، ومنظره اللامع، قبل وصوله إلى الأواني ذات البصمة التقليدية. ومن طَيبة الطيّبة أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي جناح المدينةالمنورة، الذي يحتل مكانة كبيرة في قلوب الزوار، ملابس تراثية جميلة يصر المستقبلون على ارتدائها قبل أن يرحبوا بالزوار بلهجة أهل المدينة، كل شيء هنا يعكس روح المدينة وكرم أهلها وعمق علاقتها بالتاريخ، الرغيف الساخن، والشريك، والفطائر، والمعجنات والحلويات، كلها تقدم ساخنة وبأيادٍ احترفت خبزها على مدى السنوات. وإن كان لجناح المدينة رواده وعشاقه، فكذلك يجد جناح القصيم، الذي يتوافد إليه ضيوفه كل عام ويجددون من خلاله إحياء تراث الآباء والأجداد، في ربوع القصيم التي تشتهر بصناعة «الكليجة»، فالحلوى التي لازمت اسم المنطقة على مر السنوات تعتبر جزء لافتاً من ضيافة جناحها في الجنادرية. إضافة إلى زحام الثقافة في المهرجان المنتظر سنوياً لا يخفي السعوديون حقيقة سعادتهم بتوفر فرصة ممارسة رياضة المشي في الهواء الطلق، وخصوصاً بعد أن ودعت الرياض أياماً من البرد القارس، الذي اجتاح البلاد في الأيام الماضية، كل ذلك يأتي ضمن باقة من الأحداث والفعاليات التي تضمن للعائلة بأسرها العثور على ما يناسب كلاً من أفرادها.