لا تكرهوا الشدائد، وإن أتعبت القلب وأثقلت الروح، فهي ليست شرًّا خالصًا كما نتصور، بل ميزانٌ عادل لا يخطئ. في لحظات الرخاء يكثر الوجوه، وتتشابه الكلمات، ويصعب التمييز بين الصادق والمنافق، أما حين تضيق الدروب، فكل شيء ينكشف بلا عناء. الشدائد تُسقِط الأقنعة، وتُبعد عنك من كان قريبًا لمصلحة، أو حاضرًا لمجرد مجاملة. من يختفي عند أول عثرة لم يكن يومًا سندًا، ومن يتراجع حين تحتاجه أكثر، لم يكن يومًا وفيًّا. هكذا ببساطة، تُنقّي الشدائد محيطك، وتُخفف عنك عبء العلاقات الزائفة. وفي المقابل، تُقرّب منك الصادقين… أولئك الذين لا تكثر كلماتهم، لكن أفعالهم حاضرة. من يبقى، لا لأنه مُجبر، بل لأنه اختارك، ومن يساندك بصمت، ويدعو لك بصدق، ويقف بجانبك دون أن ينتظر مقابلًا. هؤلاء لا تُظهرهم الأيام السهلة، بل تبرزهم الأيام الثقيلة. الشدائد أيضًا تُعلّمك عن نفسك. تُعيد ترتيب أولوياتك، وتُهذّب تعلقك بالناس، وتدفعك للاعتماد على الله أولًا، ثم على ذاتك. تجعلك أقوى، وإن ظننت في البداية أنك تنكسر. فليس كل وجعٍ كسرًا، بعضه إعادة تشكيل. حين تمر بشدّة، لا تسأل: لماذا أنا؟ بل قل: ماذا تريد هذه الشدة أن تعلّمني؟ ففي كل محنة رسالة، وفي كل ضيق حكمة، وفي كل تأخير لطفٌ خفي لا نراه إلا بعد حين. لا تكرهوا الشدائد… فهي غربال العلاقات، ومصفاة القلوب، ومدرسة الصبر، وبعدها فقط، يبقى في حياتك من يستحق البقاء.