أكد علماء ومهتمون أن من يحج لأجل المال مرتكب لمحرم، لافتين إلى ضرورة الالتفات إلى القاعدة التي فرق أهل العلم فيها بين من أخذ ليحج ومن حج ليأخذ. وذكروا أن من أخذ المال ليحج مأجور نظير نيته الحسنة، في حين أن من أراد التكسب ببدنه في عمل شرعي فعمله محرم. وبينوا أن استغلال شرائع الدين للتكسب ذنب ينبغي اتخاذ اللازم فيه، وتطبيق العقوبة حيال من ثبت خداعه أو أكله لأموال الناس، كما أن الحرص على تقاضي مبالغ كبيرة ثم اللجوء إلى حملات رخيصة من أكل الحرام. «عكاظ» فتحت الملف وعاشت قصصا لبعض من سقطوا في فخ المحتالين، مستأنسة بآراء العلماء والشرعيين والقانونيين والمهتمين في هذا الشأن، عبر سياق السطور التالية: في البداية، يسرد (ف. ت) حالته قائلا «أصبت بمرض أقعدني عن الحركة، وأعاني من داء لا يمكنني من الاختلاط بالناس في الأماكن العامة». وأضاف «فكرت في أداء الركن الخامس الذي لم أؤده، فقررت توكيل غيري لعدم قدرتي الجسدية، وبعد التحري عن المناسب بأداء الحج عني جلب لي أقاربي شخصا، وقررنا إلحاقه بحملة». ويواصل «جاءنا الرجل بعد مدة، مبينا أنه التحق بإحدى الشركات واستأجر مخيما، ويطالبنا بالمبلغ ليتمكن من سداد تكاليف المخيم، وبعد إجباره على جلب إثباتات ومستندات أو حتى الذهاب إلى الشركة التي تعاقد معها لم يرد على اتصالاتنا ولم نجد منه إجابة». ودعا إلى ضرورة التحري في توكيل الحج إذ تحولت النيات في ظل غياب الوازع الديني إلى تكسب ونصب واحتيال على حساب الدين. أما (م.ع) فيسرد معاناته في ذات الشأن بعد أن وفر له أحدهم شخصا للحج عن والدته المتوفاة منذ خمس سنوات. ويواصل «اتفقت قبل ثلاثة أعوام مع الشخص المكلف بالحج على مبلغ فاق العشرة آلاف ريال، وطلبت بعد إمدادي له بالمال مقابلته في اليوم التاسع، أي في عرفة لشيء في نفسي، وهو الاطمئنان وتوصية الرجل». وأضاف «وصلت إلى عرفة، وحاولت الاتصال به دون جدوى، فلجأت لصديقي الذي دلني عليه، والذي بدوره كرر الاتصال ولا مجيب، وقررنا البحث عنه في الحي الذي يقطنه ولم نعثر عليه، فأوكلت أمري لله، وقررت في الأعوام القادمة الحج عن والدتي بنفسي». عمل محرم من جهته، أكد الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة الدكتور عبدالله المصلح أن العلماء ذكروا قاعدة ذهبية في هذا الباب، إذ أوضحوا أن هناك فرقا بين من أخذ ليحج ومن حج ليأخذ. وبين أن الصنف الأول وهو من يأخذ ليحج شوقا لأداء هذه العبادة ونفعا لنفسه وغيره فلا بأس بعمله، نظير حسن نيته، بل وله أجر على ذلك، شريطة أن يكون المبلغ الذي تقاضاه يتوافق مع مصروفاته ويقصد منه نفع نفسه وغيره. ولفت إلى أن الصنف الثاني وهو من يحج ليتكسب فهو محل خلاف، والسبب أن العبادات البدنية التي تستغل للتكسب المادي كما جاء عن كثير من أهل العلم هو التحريم. وطالب العموم بتحري من يجعلونه يحج عن غيرهم، قائلا: هناك ثلاثة شروط تمكننا من معرفة من نختار، كأن يكون الشخص حج عن نفسه وعارفا بشأن الحج وملما بأعماله، كما يعرف عنه الصلاح والاستقامة. تحري المناسب وطالب الأستاذ المشارك في المعهد العالي للقضاء الدكتور هشام آل الشيخ بضرورة البحث عن الشخص المناسب لتوكيله، حال عدم القدرة الجسدية أو حلول الموت. وقال «الحج ركن عظيم ينبغي أداؤه دون زيادة أو نقصان، وأن يحرص من أوكل به أداء الفريضة على تقوى الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». وأضاف «الحج لا يكون إلا عن شخص واحد في العام وليس لأكثر، كما يفعل بعض المحتالين»، مستشهدا على ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأل الرجل: أحججت عن نفسك؟ فأجاب: لا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة، وهذا يدل على عدم جواز الحج في العام الواحد لأكثر من شخص، مطالبا بتعزير من علم عنه النصب والاحتيال في الوكالة. وحذر في الوقت ذاته من المغالاة وأخذ الأموال الكبيرة، ثم اللجوء إلى حملات رخيصة أو مجانية، فهذا من أكل أموال الناس بالباطل، مشددا على أن المثوبة والربح الحقيقي من الله لا في المال أو الثراء. المتاجرة إثم رئيس جمعية خيركم في جدة المهندس عبدالعزيز حنفي حذر من امتهان البعض لهذا العمل، قائلا «المتاجرة بدين الله إثم عظيم». وقال «يزداد الإثم لو كان الشخص يجمع المال ولا يؤدي الفريضة عن غيره»، لافتا إلى أن المسألة لا بد أن يراعى فيها جانب الضمير، إذ أن الإنسان لو أخلص نيته لكسب الأجر على ذلك. وتطرق إلى أن القصص المتداولة بهذا الشأن تدل على ضعف نفوس البعض، إذ لا يراعون أن هذا العمل يبتغى به وجه الله، وبالتالي، لا يجوز على من أوكلت له المهمة أن يضيع عمله بغرض الكسب المادي. وطالب عموم المسلمين بتحري الشخص المناسب عند الحاجة لمن يؤدي الحج عن غيره، وعدم إيكال المهمة لكل من هب ودب، والبحث عن الأمين قولا وفعلا، خصوصا أن هذا العمل مرتبط بدين وعبادة الإنسان.