أتخيل أن الأذكياء بشكل عام، وعلماء الرياضيات بشكل خاص يتمتعون بالعديد من النعم ومنها خفة الدم، ذلك لأنهم تعودوا على قلة «الهرج» وعمق المعاني كما ينعكس في المعادلات الرياضية «الخالية من الدهون والشحوم»، والأهم من ذلك أنهم تعودوا على التعامل مع المفاجآت الذهنية، بل والمغامرات الفكرية التي تنقلنا إلى عالم آخر أكثر إثارة من خلال بعض الانعطافات الذهنية الجميلة.. ومما لاشك فيه أن هناك متطلبات وأصولا لخفة الدم، فالنكات التي تتوج عالم الفكاهة تعكس ذكاء ودهاء الأفراد، بل وتعكس ثقافة أمم بأكملها.. لاحظ أنها تتميز بتكوين التوقع أو بناء تنبؤ أو حالة فضول لتجهيز استعداد المستمع، ثم يتبع ذلك حدوث حالة تناقض أو مفاجأة لإثارة الضحك.. والمهم طبعا هو التهيئة لعنصر المفاجأة وإليكم أحد الأمثلة: فاجأني أحد أصدقائي عندما قال: «أدعو لك يا أخي أن يكتب لك الله أن تعيش إلى أن يبلغ عمرك مائة سنة وأسبوعا» وساءلته طبعا عن حكمة «الأسبوع» الإضافي بعد المائة، فكان رده بكل جدية «لأنني لا أريدك أن تتوفى فجأة».. تفكير منطقي وتتبلور فيه عناصر النكتة غير المتوقعة.. وهنا نجد العناصر المشتركة مع الرياضيات وإلى حد ما مع الفلسفة، فهناك منطقية فيما قال ولكنها ليست في سياق توقعاتنا للموضوع.. وفي مثال آخر نجد قصة من احتج على شراء كلب حراسة بمبلغ عشرة آلاف ريال، وعندئذ سمع إدعاء البائع أنه «يتكلم لغة أجنبية» فجن جنونه وطلب الإثبات وإذا بالكلب يرد عليه بقوله: «مياوووو».. وماذا عن الذي اتصل بزوجته من جواله الجديد أثناء قيادته لسيارته الجديدة على طريق المدينة فقالت له: «فضلا انتبه لأن هناك أحد المتهورين يقود سيارته بعكس اتجاه السير في ذلك الشارع» فجاء رده: «متهورون وعاكسون لاتجاه السير بالمئات على طريق المدينة».. وفي عالم الغذاء نجد بعض الإبداع الفكاهي غير المتوقع ونجد الذي دخل المطعم واستمتع بوجبة دجاج ثم سأل صاحب المطعم عن طريقة تحضير الدجاج وكانت الإجابة «نرصهم في طابور ثم نخبرهم بدون لف ولا دوران أننا سنقتلهم..». وطبعا هناك المفاجآت الزوجية فعندما طلبت الزوجة من زوجها أن يكف عن التدخين علشان خاطرها أجاب: «يا حبيبتي أنا أدخن أصلا علشان خاطرك» ولا ننس طبعا نكات الأخصائيين: «حرام عليك يا دكتور تريد معالجة أمي بنصف مليون ريال هي إيش عندها»؟ وجاء رد الطبيب: «عندها نصف مليون ريال». والغريب في الموضوع أن العديد من النكات وخصوصا العرقية والسلالية تفتقد للمصداقية.. وعلى سبيل المثال فجميع الحضارم الذين أعرفهم هم غاية في الكرم.. وأبناء بلاد زهران الذين درستهم كانوا متفوقين جدا.. وأهل الصعيد الذين تعاملت معهم قمة في الذكاء. أمنية تطورت النكات حول العالم فأصبحت أذكى وأقوى لعدة أسباب ومنها تطور وانتشار الجوالات، فمعظم نكت الجوال أصبحت ترسل كرسائل قصيرة سريعة، وبالتالي فقد تم اختصار النكتة إلى عناصرها الأساسية وإزالة الشوائب والزوائد عنها.. ولكن للأسف أن لها بعض الجوانب الداكنة وغير الحميدة، فبعضها يتسم بالقسوة.. سواء كانت عرقية، أو طبقية، أو نفسية.. وبعضها ينحط ليصبح مجرد قسوة «ترفيهية» وهي تعكس سلوكيات غريبة عن مجتمعنا.. أتمنى أن لا نستعمل النكات للسخرية، أو الاستخفاف بمصائب البعض، أو الانتقام لأن كل ذلك سيسجل ضدنا وضد مكاسبنا الثقافية، وربما ضد الإنسانية أيضا. والله من وراء القصد. للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة