عقب الدكتور حمزة المزيني «الوطن» على مقالي في «عكاظ» من أن ثبوت الهلال بالرؤية حكم تعبدي أكثر من كونه عقليا .. بعدة ملاحظات منها أن الناس مطالبون بإثبات الهلال بالرؤية بالعين المجردة حتى إن أوقعنا هذا الخطأ في دخول الشهر، وهذا القول في غير محله؛ لأن الأصل في هذه المسألة هو النص وهو قوله عليه السلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ..» ، وهذا نص واجب الاتباع والامتثال له. والرؤية قد تكون بالعين المجردة، كما في عهد الصحابة، أو تكون بالمناظير الفلكية، وهذا لا يغير من معنى الرؤية بالعين بشيء، لأن المناظير ما هي إلا زيادة قوة في الإبصار، وهذا خلاف الحسابات الفلكية التي لا دخل للعين فيها. أما ما قاله الدكتور المزيني من وقوع الناس في الخطأ فهذا مردود بقوله عليه السلام: « ... فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ..» ، بمعنى أنه إذا ظهر الهلال ولكن الغيوم حجبته، فالأصل هنا اعتبار اليوم التالي من أيام شعبان، فلا يصومه الناس، وإن أهل رمضان، وهذا هو معنى الحكم التعبدي، وليس هذا وقوعاً في الخطأ بل هو من باب الطاعة المطلقة والامتثال للنصوص. وأما قوله من أن الامتثال للنصوص واتباعها فيه سد لباب الاجتهاد، فهذا قول في غير محله؛ لأن الاجتهاد لا يكون إلا في المسائل التي لم يرد فيها نص، وهذا خلاف ما نحن وهو حكم مدعوم بنصوص واضحة قطعية الثبوت والدلالة. أما قول الدكتور إن الرسول كان يحدد أوقات دخول الصلاة بشروق وغروب الشمس ونحو ذلك مما هو مرتبط برؤية الأفلاك السماوية وتحركاتها .. والآن لم تعد تلك الوسائل هي ما يستخدمه الناس بل حلت محلها الوسائل والحسابات التي تسجلها المراكز الفلكية في التقاويم وبيانات مواعيد الصلاة بالدقائق والثواني، فهذا القول غير صحيح، فالرسول عليه السلام ليس هو الذي قام بتحديد أوقات دخول وخروج أوقات الصلوات الخمس، بل الذي فعل ذلك جبريل، ذلك لأنه عندما فُرضت عليه الصلاة ليلة الإسراء والمعراج ورجع إلى مكة قبيل الفجر وكانت صلاة الفجر قد ثبتت في ذمته إلا أن الرسول لم يصل تلك الصلاة؛ لأنه لم يكن قد عرف كيفية الصلاة ومواعيد دخول وخروج أوقاتها، حتى جاءه جبريل في الظهيرة في ذلك اليوم في أول وقت صلاة الظهر وبين للرسول عليه الصلاة والسلام كيفية الوضوء ومواعيد الصلاة وصلى به الخمسة فروض في أول أوقاتها في اليوم الأول، ثم جاءه في اليوم الثاني وصلى به الخمسة الفروض في آخر أوقاتها ثم قاله له: «الصلاة بين الصلاتين ...» وهو ما يعرفه الناس من تلك الأيام إلى يومنا هذا من طلوع الفجر الصادق والزوال وحصول ظل الشيء مثله أو مثليه وغروب الشمس وظهور الشفق الأحمر، وهي ظواهر مرتبطة بالأجرام السماوية، وما هو موجود في التقاويم إنما هو تنزيل لهذه الظواهر على منازل الساعات والدقائق، وهي ظواهر تشاهدها العين وإن تطورت العلوم الفلكية واستطاعوا أن يعرفوا مواقع هذه الأفلاك بحسابات فهذا أمر ثانوي ولكنه لا يغير شيئا من أحكام الأوقات للعبادات كما بينها الرسول للناس. ومما قاله الدكتور إن الناس بناء على وجوب اتباع النصوص الشرعية حرفياً يجب عليهم هذه الأيام أن يحجوا على ظهور الإبل والبغال ومشياً على الأقدام لأن الآية جاءت بهذه النصوص: { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق }، وهذه مغالطة لأن هناك فرقا شاسعا بين النصوص التكليفية التي تحمل الأوامر والنواهي والنصوص الخبرية التي لا تكليف فيها وإنما تحمل أخباراً ليس إلا، فإن التكليف لا يأتي إلا في جمل إنشائية مثل قوله تعالى: { ... فمن شهد منكم الشهر فليصمه .. }، وقوله عليه السلام: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ..»، وغيرها من النصوص التكليفية التي تشتمل على أوامر ونواه وهي واجبة الإتباع. ومنها ما ذكره الدكتور حمزة من قوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج .. }، فهذا موضع التكليف الذي أمر به سبحانه نبيه إبراهيم بفعله، وقد صعد إبراهيم تلبية لأمر ربه على جبل أبي قبيس ونادى بأعلى صوته في الناس بالحج، وفي هذا حجة، ذلك لأن إبراهيم صعد على الجبل وامتثل لأمر الله ونادى في الناس بالحج مع أنه يعلم يقيناً أنه ليس هناك إنس ولا جن في ذلك الوادي المقفر، وإنما هو حكم غير معقول المعنى بالمعيار البشري ومع ذلك امتثل له إبراهيم ونفذه بحذافيره، وهذا هو حال الحكم التعبدي. ولقد استجابت مريم لأمر الله وأخذت بجزع النخلة تهزه إليها، مع أنها تعلم يقيناً أنه لو جاء معها عشرة رجال ما حركوه قيد أنملة، ولكن الحكم التعبدي الواجب الامتثال، وفيه أيضاً الأخذ بالأسباب، وضرب موسى بعصاه البحر كما أمره الله وهو يعلم أن عصاه هذه لا تزيح لتر ماء فضلاً عن أن ينفلق البحر وينشق ليمشوا فيه. فالشاهد أن هذا هو حال الحكم التعبدي إذ يكون غير معقول المعنى ولكنه واجب الامتثال والاتباع. أما قوله تعالى: { ... يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، فهذا خبر وهو بمثابة بشارة من عند الله لنبيه إبراهيم بأنه قد استجاب لدعوته حين قال: { ... فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم .. }، فليس في الآية تكليف، وشتان بين الخبر والتكليف. وكون الناس كانوا يأتون إلى الحج على ظهور الإبل أو مشياً على الأقدام واليوم يأتون بالسيارات والطائرات فهذا لا عبرة له بالحكم التكليفي وهو أداء الفريضة. فاكس: 6975040 [email protected] للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 148 مسافة ثم الرسالة