جازان تتوهج رياضيا وتتنفس كرة القدم    فهد حكمي ابتسامة الوطن التي لن تنطفئ    في أمسية طبية.. ديوانية أجاويد 4 بسراة عبيدة تناقش آلام الظهر وسبل الوقاية منها    التوقيت الزوالي في المسجد النبوي.. امتداد تاريخي لعناية المسلمين بالمواقيت    تركي آل الشيخ يعلن مواجهة أوليكساندر أوسيك وبطل الكيك بوكسينغ ريكو فيرهوفن على لقب الوزن الثقيل    «سلمان للإغاثة» يوزّع (1,000) سلة غذائية في محلية الروصيرص بولاية النيل الأزرق بالسودان    الجبيل الصناعية تحتضن معرض «آيات.. بلسان عربي مبين»    الحزم يقلب الطاولة على الاتفاق بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    وصول قافلة مساعدات إنسانية جديدة مقدمة من السعودية إلى قطاع غزة    الاتحاد يكسب الخليج بهدف في دوري روشن للمحترفين    "مدرك"… من فكرة توعوية إلى قصة وعي مجتمعي تتجدد للموسم الثالث في جازان    200 مستفيد ل"عمرة القادسية الرمضانية    الهلال يُصالح جماهيره بخماسية أمام الشباب    الهلال يعود للمنافسة بخماسية مثيرة في ملعب الشباب    ضبط (8) إثيوبيين في جازان لتهريبهم (160) كجم "قات"    الصين تدعو مواطنيها لمغادرة إيران «بأسرع وقت ممكن»    نائب وزير الخارجية يلتقي نائب وزير خارجية تركيا    الجلاجل: تمكين الأسر المستحقة للمسكن في جازان امتداد لدعم القيادة    أمير حائل يطلق حملة "تأكّد لصحتك"    إفطار رمضاني يجمع المسؤولين والأهالي في قوز الجعافرة… وجولة ميدانية تعزز دعم مراكز النشاط    النفط يرتفع 2% مع تمديد أمريكا وإيران للمحادثات    ذكرى يوم التأسيس .. صور مضيئة لجذور تاريخية راسخة و أمجاد حضارة    تقنية جديدة للتحكم في سلوك الحيوان عن طريق الذكاء الاصطناعي    الصين تلغي نسبة الاحتياطي الإلزامي لمخاطر الصرف الأجنبي    والد الدكتور أحمد القرني في ذمة الله    جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تُطلق مبادرة "صحتك في رمضان"    جمعية أصدقاء البيئة تطلق (العقير الخضراء )نحو رقم قياسي في غينيس    ليلة رمضانية تجمع «السعودية للإعاقة السمعية» وشركاءها احتفاءً بيوم التأسيس    صدور البيان الختامي لاجتماع «التعاون الإسلامي» الاستثنائي على مستوى وزراء الخارجية    "الغذاء والدواء" تُحذّر من عدد من منتجات حليب الأطفال لشركة "نوتريشيا دانون"    ديوانية أجاويد تحتفي بالموروث الشعبي في أمسية ثقافية تربوية بسراة عبيدة    9 تريليونات ريال تعيد رسم خريطة الصناعة في المملكة    السوق السعودية تترقب الإشارة الكبرى في أسبوع القرار    منهجه صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقي النص أول عهده بالوحي    في حكم من أكل أو شرب ناسياً    محافظ الطائف يتفقد ميقات قرن المنازل بالسيل الكبير ويشارك العاملين الإفطار    جامعة أم القرى تطلق هاكاثون المواقع التاريخية والإثرائية بالشراكة مع وزارة الحج والعمرة    حكواتي التلفزيون..!    فجر جديد من الأمن والوحدة    جمعية اقتصاديات الطاقة تُعلن تشكيل مجلس الإدارة    نفحات رمضانية    الأميرة سارة بنت خالد بن مساعد تكرّم بيت الشاورما تقديرًا لدعمه جمعية إنسان ورعاية الأيتام    أمير جازان ونائبه يشاركان قادة ومنسوبي القطاعات الأمنية إفطارهم الرمضاني في الميدان    ولي العهد يعزي ولي عهد الكويت    مُحافظ الطائف يطّلع على أعمال ومنجزات الغرفة التجارية وفرص الاستثمار المستقبلية    هناك بدأت الحكاية هنا بدأ الوطن    19489 طالبة وطالبة يتأهلون ل«أولمبياد نسمو»    جمعية السينما تطلق ورشة مهارات السرد البصري    تصعيد ميداني في غزة والضفة.. هدم واعتقالات شمالاً وقصف مستمر جنوباً    مفاوضات تختبر فرص التهدئة.. جولة حاسمة بين واشنطن وطهران في جنيف    تحركات دبلوماسية وعسكرية متزامنة.. أوكرانيا تسعى لمسار تفاوضي بدعم أمريكي – أوروبي    إفطار العطيشان    اللواء الركن عوض بن مشوح العنزي يتفقد قوات الأفواج الأمنية بعسير وجازان ويهنئهم بشهر رمضان المبارك    صحة جازان تُحيي ذكرى "يوم التأسيس" وسط أجواء رياضية وتثقيفية ببطولة "مدرك"    خيرية نجران تطلق برامجها الرمضانية    بحث مع وزيرة الثقافة المصرية مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما.. تركي آل الشيخ يعلن مفاجآت ومبادرات نوعية لتعزيز التكامل الثقافي السعودي المصري    20 دولة تندد بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة    مئات النازحين بعد هجوم الدعم السريع على معقل زعيم قبيلة المحاميد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسن المصطفى: التيارات الإسلاموية والقومية أعلت شعاراتها وهمّشت الوطن
نشر في عكاظ يوم 30 - 12 - 2022


*الصحوة السنية والشيعية تتكامل وتقتات على بعضها
* الإسلاموية غيّبت صوت المثقف المدني
* التنوير معركة يجب أن تخاض بشجاعة وحكمة وبصيرة
* حبسنا في الأفكار المذهبية والمناطقية والعنصرية خَطِر
* المتشددون سينافحون عن مكتسباتهم لآخر رمق
* الدولة الوطنية أساسها «المدنية» وهي دنيوية لا دينية
* شعار «الإسلام هو الحل» خلط الديني بالسياسي
إذا كان لكل من اسمه نصيب، فإن الباحث السعودي حسن المصطفى ممن تنطبق عليه هذه المقولة، فهو حسن في مظهره وأقواله وأخلاقه، وهو مصطفى بأفكاره ومخبره، نجح مبكراً في استشعار خطورة الإسلامي الحركي، وتبنى بجهود ذاتية المنافحة عن مكتسب ومنجز الدولة الوطنية، ولم ينتبه البعض لسموّ طرحه، ونزاهة تناوله، إلا في زمن دفع ثمن حُسن الظنّ بمن خادعونا بالمقدس، وأوهمونا أنهم طوق النجاة، وحبل الخلاص. واليوم في ظل مراجعات لا غنىً عن سماع صوتٍ وطني، يحسبه البعض على طيف ثقافي مختلف، ونعده رافداً من روافد التنوير المحلي منذ ربع قرن، وهنا نص حوارنا معه:
• ما دواعي قلقك على المجتمعات العربية والإسلامية؟
•• أقلق عليها من الجمود والرتابة. أقلق عليها من توجسها من التغيير؛ لأن السكونية تعني الموات، تعني أن نبقى في وحل الماضي وأوجاع الحيوات السابقة وخيبات اليومي والآني؛ لذا التغيير حقيقة حتمية، مقاومتها تعني أن نطعن أجسادنا برماح مسمومة، والترياق هو أن نتغير نحو الأفضل، ونجترح تجارب جديدة، دون الخوف من الوقوع في الأخطاء، ودون الريبة من مقاربة مناهج وأفكار جديدة، حتى وإن بدت صادمة وغير مألوفة!
• متى ترجح كفة المواطنة على كفة الجهة، المنطقة، المذهب، الطائفة؟
•• الدولة المدنية الحديثة، تعتبر فيها «المواطنة الشاملة» حجر الزاوية. وهذه المواطنة لا تعلو عليها أي هوية فرعية أخرى، فهي المسطرة التي على أساسها تقر الحقوق والواجبات. أما المذهب والطائفة والعِرْق والقبيلة فهي هويات فرعية، وجزء من تكوين الفرد أو الجماعة، لكنها لا يجب أن تكون المحدد لعلاقات المواطنين ببعضهم البعض، أو علاقتهم مع الدولة.
هذه «المواطنة الشاملة» للأسف غائبة عن الثقافة العامة اجتماعياً؛ لأن التيارات الإسلاموية والقومية في العقود الماضية كانت تعلي من شأن شعاراتها السياسية وتهمش مفهوم «الوطن». كما أن عدداً من الأنظمة السياسية العربية لم يعمل على بناء دولة وطنية حقيقية تكون حاضنة للتنوع الثقافي والعرقي والديني؛ لذا هنالك مشوارٌ طويل يجب أن يُسلك حتى الوصول ل«المواطنة»، ولا خيار إلا العمل الدؤوب من أجل ذلك.
• ما صحة مقولة: أن شيعة المملكة تم اختطافهم شأن السنة، من التيارات والجماعات والأحزاب الإسلاموية؟
•• السعوديون الشيعة، هم سعوديون أولاً قبل كل شيء، ينتمون لهذه الدولة، يعملون لرفعتها، ويلتزمون بسياساتها. وهم أيضاً مواطنون طبيعيون كشركائهم في الوطن، مرت عليهم مختلف الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية المتقلبة، التي جرت على المواطنين في المملكة والخليج العربي؛ نتيجة الثورة الإيرانية، والحرب بين إيران والعراق، وحركة «جهيمان»، والمد الديني السياسي للتيارات الإخوانية والسرورية والخمينية والشيرازية، وكل هذه العوامل، دون أن ننسى سنوات «الإرهاب»، أثرت بشكل وآخر وبنسبٍ مختلفة في عموم المواطنين السعوديين، الذين سعت التيارات والأحزاب الإسلاموية لأن تسيطر على المشهد العام.
الحضور الواسع ل«الإسلام السياسي الشيعي» في حقبتي الثمانينات والتسعينات من القرن الميلادي المنصرم، جعل المجتمع في جزء منه يتطبع بقالب ديني - أحادي، متأثراً كذلك ب«الصحوة السنية»، ومنتجاً خطاباً مضاداً ل«السلفية التكفيرية»، ما مهد لأن يكون رجل الدين هو المتقدم في المجالس والمساجد والحسينيات، ويتراجع دور المثقف المدني والأكاديمي المختص والتاجر، رغم وجود قطاعات واسعة قاومت نفوذ «الإسلاموية الحركية»، وكانت على تضاد مع تيارين رئيسين: خط الإمام، ومنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.. وهذا الحضور ل«الإسلام السياسي الشيعي» بدأ في التراجع بشكل كبير منذ سنوات، وخصوصاً مع التغيرات الكبرى التي تعيشها السعودية، ومشاريع «رؤية المملكة 2030». والآن نشهد وجود أصوات مدنية - وطنية، تنقد بشجاعة الخطاب الديني المتشدد في الأوساط السعودية الشيعية، دون أن تخشى التحريض الذي يمارسه «المتأسلمون»، إيماناً منها بأن التنوير معركة يجب أن تخاض بشجاعة وحكمة وبصيرة. وهذه الشخصيات المثقفة تقدم نفسها بهويتها الوطنية السعودية، لا هويتها المذهبية، لأنها تجاوزت التقسيمات الصغرى.
• ما مبررات الخوف على مجتمعنا؟
•• الخوف على المجتمع من «سُبات العقل»، ومن أن نسلم ذواتنا وعقولنا لتجار الدين والسياسة، وأن نبقى حبيسي الأفكار المذهبية والمناطقية والعنصرية. هذه هي الأخطار الكبرى بنظري؛ لأن المجتمعات الحرة لا خوف عليها، مهما مارست من أخطاء، إلا أنها قادرة على تصحيح عثراتها. أما المجتمعات التي تسلمُ عقلها للخطابات الطائفية والأحادية وتستغرق في الخرافات وصراعات الماضي، فهي التي تحفر قبرها بأصابع مرتعشة ومكسورة!
• هل ستنتهي وصاية من يعدون أنفسهم رجال دين؟
•• هذه الوصاية بدأت في الاضمحلال يوماً بعد آخر، مع تزايد الوعي المجتمعي، إلا أن رجال الدين المتشددين سيبقون حتى آخر رمق ينافحون عن مكانتهم ومكتسباتهم التي لا يريدون أن تتقلص. فهم مع الوقت يطورون أساليبهم في «الوصاية» على العقول، بطرق مختلفة!
• ما الفرق بين صحوة السنة وصحوة الشيعة؟
•• هنالك تشابه كبير بين الصحوتين السنية والشيعية، وكلاهما مكمل للآخر ويقتات عليه، وإن كان نقيضه. والتباين الأساس بينهما «عقدي» معني بموضوع السردية المذهبية لكل فريق.
سنياً، هنالك «دولة الخلافة»، وشيعياً هنالك «الجمهورية الإسلامية». هنالك «المرشد العام»، وفي المقابل «الولي الفقيه». هنالك «الإخوان المسلمون» و«السرورية» و«حزب التحرير»، وفي الضفة الأخرى «حزب الدعوة» و«حزب الله» و«الطلائع الرساليين».. إذن، الغايات واحدة: إقامة دولة دينية تطبق «الشريعة» وتحكم وفق تصور محدد للدين، هو مزيج من الحركية السياسية والأحكام الفقهية وأيضاً النفعية الدنيوية في صورتها التي تحقق مصالح ورؤية هذه الأحزاب العقدية.
كلاهما صحوتان قائمتان على قمع التعدد والتنوع الثقافي، وترفضان المدنية والعلمانية، وتستخدمان «الديموقراطية» كوسيلة للوصول للحكم، ثم بعد ذلك تطبق مشروعها الذاتي دون أن تمنح الحرية للمخالفين.
• لماذا تأخرت منظومة فقهنا الوطني؟
•• الدولة الوطنية الحديثة، أساسها «المدنية»، أي أنها ليست دولة دينية، بل دنيوية، ما يعني أن منظومة أحكامها قائمة على «القانون المدني» الذي يتم وضعه وفقاً لقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان، وحفظ السلم الأهلي، وصيانة التنوع الديني والثقافي والعرقي. وبالتالي فإن «الدولة الحديثة» لا يمكنها أن تستند فقط للفقه بمعناه الشرعي في صُلب بنيتها، لأن حتى الأحكام الفقهية متغيرة بحسب تبدل الظرف والزمان.
الفقه قد يكون أحد المصادر التي يستفاد منها في وضع القوانين والأنظمة، لكنه ليس المصدر الأوحد.
• كيف يمكن للمجتمع السعودي التعافي من خلط الديني بالسياسي؟
••هنالك حالة خلط معرفي واجتماعي غير صحي بين الدين والسياسة. وهذا الخلل نتيجة تصور روج له الإسلاميون عبر شعارات «الإسلام هوالحل»، و«سياستنا عبادة، وعبادتنا سياسة». ولذا هذه الثقافة التي تجعل «الفقه» حاكماً وتصير كلمة رجل الدين سابقة على رجل السياسة يجب مناقدتها، ووقف استخدام الدين لأغراض سياسية بالمطلق.
من جهة أخرى، يجب أن ينظر للدولة بوصفها شأناً دنيوياً، وأن السياسة ليست من مستلزمات «الدين»، وهذا يحتاج لبناء تصور حديث لحدود علاقة «الدين» بالمجال العام.
• هل يتوفر نص «مرجعي» يبيح للتنظيمات ويتيح لها إقامة مشاريعها داخل دولة المواطنة؟
•• أن يكون لأي فرد أو جماعة بشرية رؤيتها الخاصة، فهذا أمر طبيعي جداً. ومن المفيد تعدد الرؤى والأفكار وحتى المشاريع الفكرية والعملانية. إلا أن تتحول هذه المشاريع لكانتونات مذهبية وقبائلية مغلقة ومتعصبة، فهنا الخطر؛ لأنها حين ذاك ستعمل على تفتيت الدولة، والانحياز للهويات الضيقة. وعليه، يجب العمل على صياغة وعي بمعنى «الهوية الوطنية» الكبرى، وعلاقتها بالهويات الأصغر.
• ما أثر التشريعات والخطابات واللوائح والتعليمات في إعادة تشكيل الوعي الجمعي؟
•• الأنظمة والقوانين هي ما تنظم حياة المواطنين وعلاقاتهم مع بعضهم البعض ومع مؤسسات الدولة، وهي ما تعطي الحقوق لأصحابها، وتمنع عنهم الغبن، وتحقق لهم العدالة، وأيضا تصون «كيان الدولة» وتحفظ السلم الأهلي من الانهيار. لذا، وجود القوانين التفصيلية الحديثة، أمرٌ مهم لسلامة المجتمع وحُسن سير العملين الأهلي والحكومي.
• هل تُغني القرارات عن حزم السُّلطة؟
•• هذه قضية بحثت كثيراً في الفلسفة - السياسية، لدى فلاسفة مثل جاك جان روسو وتوماس هوبز، ولا تزال محل نقاش حقوقي وفلسفي حتى اليوم. إلا أن الأكيد أنه لا يمكن أن تنتظم شؤون أي دولة حديثة دون وجود القانون. وهذا القانون يجب أن تحميه السلطة، من خلال تطبيقه بعدالة ودون استنسابية. ووفق هذا القانون فإن السلطة وحدها من تحتكر حق «العنف»، أي ممارسة القوة تحت نظر «السلطة القضائية» لفرض النظام أو مواجهة الفوضى والإرهاب.
• لماذا كفر البعض بأهمية الدولة، ثم آمن بضرورتها إثر غيابها؟
•• الدولة كيان يتشكل من أضلاع مهمة: القيادة السياسة، الحكومة، الشعب، المؤسسات.. وهذا الكيان المدني ضروري لتنظيم حياة الإنسان المعاصر.
البعض كان يعتقد أن هدم الدولة طريق لبناء نموذج جديد. لكن هذا التصور أثبتت الأيام مدى خطئه وسذاجته. ولذا، فإن الحفاظ على كيان الدولة هو حفاظ على جميع مكوناتها، ومن خلال ذلك، وعبر عملية الإصلاح التدريجي والمستمر من داخل «الكيان»، يتم التطوير والتنمية وبناء منظومة حكومية حديثة، دون إحداث خلل بنيوي كبير يزعزع البناء بأكمله.
• ألا يقلّص تفاخر إيران باحتلال العواصم العربية شعبيتها إسلامياً، ويحرق عليها ورقة اللعب بالدين؟
•• إيران كيان سياسي، ودولة تسعى لتحقيق مصالحها بأدوات مختلفة، دينية واقتصادية وأمنية وسياسية وثقافية. وهي في مساعيها لمزيد من النفوذ الخارجي، واجهت الكثير من المشكلات، بسبب تدخلها في الشؤون الداخلية لدول الجوار.
إيران الدولة المدنية، البعيدة عن دعم المليشيات المسلحة، والمتطورة اقتصادياً، والتي تحترم دول الخليج العربي وتتعاون معها، هي ما تتطلع له الحكومات والشعوب الخليجية؛ لأن إيران جارة لنا، ونريد علاقات حسنة معها. إلا أنها إذا استمرت في خطاب «تصدير الثورة» وتهديد السلم الأهلي لجيرانها، فلن تحصد إلا مزيداً من التوتر في العلاقات، وستكون لديها سمعة «سيئة» خارجياً، وستزيد من عزلة نظامها.
• لماذا وقع لبنان في فخ الولاءات المدهورة رغم تاريخه الثقافي والفكري؟
•• لأنه قدم الطائفة على الوطن. وبقي حبيس زعماء الطوائف والحرب والمليشيات، وصار مساحة للصراعات الإقليمية والولاءات العابرة للحدود.
• أين دور الدولة الوطنية في تحصين وعي مواطنيها ضد الاختراقات المسمومة؟
•• الدولة الوطنية تحتاج لبناء وعي مدني حديث، يكون رافعة ل«رؤية المملكة 2030»، ويحلُ مكان خطابات «الصحوة» والتيارات الإسلاموية. هذا الوعي المدني يجب أن يشتغل عليه بدأب ووعي شديدين، لأنه العقل الجمعي في المملكة تأثر لسنوات طويلة بفكر «الصحوة»، وتخلصه من هذه الأفكار يحتاج لأكثر من جيل، للشفاء من أسقامها، وأيضاً للاقتناع بأفكار حديثة حول معنى الدين والوجود والهوية والمواطنة والدولة. التبدل والتحول بدأ بين الجيل الجديد من السعوديين، وهو يحتاج الاستمرارية والتراكم المعرفي.
• ما هو القاسم المشترك لإعادة وشائج العلاقات العربية، دون تركيز على الديني واللغوي؟
•• بناء الوعي الإنساني المشترك، والانخراط في عملية تنوير واسعة، تعيد تشكيل علاقاتنا بذواتنا، وفهمنا للكون من حولنا. وهذا يحتاج لأن يتم إعطاء مساحات أوسع للتفكير الناقد الحر، والتعبير عن الأحلام الكبرى التي يراها الجيل الجديد حقوقاً مكتسبة له؛ ولذا، فالتعليم أولاً، والتدريب ثانياً، والتكافؤ في منح الفرص ثالثاً، ووجود القوانين الحديثة الناظمة للمجال العام رابعاً، هي مرتكزات أساسية لوعي عربي أشمل.
• أين وصلت في مراجعاتك لحقبتي التسعينات والعقدين الأول والثاني من القرن الحالي؟
•• المراجعات ليست بالأمر السهل. هي عملية لا تتوقف، بل يجب أن تستمر، نختبر فيها أفكارنا، ونكون فيها صريحين مع ذواتنا، ونسعى لأن نتجاوز ما نعيشه كل يوم.
هنالك قناعة توصلت لها، أن الحرية الفردية والاستقلالية وعدم التبعية، هي مفاتيح شخصية تجعل الواحد منا قادراً على تجاوز سلبيات أي تجربة مهما بلغت.
لذا، وكي نتجاوز مرحلة «الصحوتين السنية والشيعية»، علينا أن ندعم النزعة الاستقلالية والنقدانية لدى الجيل الجديد، ونجعل التساؤل الحر مباحاً وغير مستهجن، وأن لا نعتبر أن ثمة استفاهماً محرماً أو مدنساً.. زمن الوصاية على العقول انتهى.
• بماذا يمكننا بناء شخصيات سويّة دون إيديولوجية أو تسييس؟
•• أن يكون للفرد موقف سياسي أو فكري، هذا أمر طبيعي جدّاً. لا يوجد إنسان دون ملامح، إنما الإشكالية تكون حينما نتقوقع في أفكارنا ومواقفنا ونعتقد أنها الطريق الوحيد للصواب. هنا يكون التسييس والأدلجة.
علينا أن تكون لدينا أفكار قابلة للمراجعة والنقد باستمرار، وأن ننفتح على مختلف العقول، وأن لا نطمئن للإجابات النهائية والناجزة التي تدعونا لأن نسلم لها تسليماً.
• كيف يمكننا الاطمئنان لمهادنة الإسلام السياسي للدولة الوطنية؟
•• أنا من المؤمنين بأن «الإسلام السياسي» وخطاباته ومشاريعه لم ولن تنتهي، فخطورته في قدرته على السيلان بين الأجيال وعبر القنوات المختلفة. وأعتقد أن الترويج لمقولة «موت الصحوة» إنما ذلك نوع من التبسيط أو السذاجة في التفكير في أحسن الأحوال، وهي في المقلب الآخر مقولة يروج لها «الصحويون الجدد» في محاولاتهم لتخفيف النقد الموجه لهم، وسعيهم للالتفاف على القوانين التي تجرمُ «الأحزاب الدينية».
من هنا، نقد «التأسلم» يجب أن يستمر، بوعي، ودون تشنج، ودون تحريض، ودون لغة شتائمية أو غرائز انتقامية، وإنما عبر تفكيك الخطابات والنصوص المؤسسة لبنية «الصحوة».
يجب أن يكون هنالك وعي بأن «الصحوة» فكرة، وفكرة سلبية، إنما هي لديها مكامن قوتها، لأنها تستغل عاطفة «البسطاء» و«المؤمنين»، ولذا تجدها متشربة دون وعي حتى لدى غير الملتزمين دينياً. وعملية إزالتها من الأذهان تحتاج لإقامة بديل مدني - ثقافي قوي ومقنع، يحلُّ مكانها، يمتلك عناصر الجاذبية والديمومة والقدرة على التجدد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.