أمريكا.. انفجار «كبير» يهز مدينة هيوستن    6 قتلى بإطلاق النار جنوب ألمانيا    وزير الخارجية يبحث مستجدات القضايا الإقليمية مع نظيره اليوناني    الاتحاد يحيل بروجوفيتش للاستثمار.. وجوناس انتظار    لاعبو الوحدة يجمعون على المقعد الآسيوي    الفرسان بعنفوان يدكون الحزم بخماسية    توجيه من أمانة الشرقية بشأن لوحات «مواقف مخصصة للزبائن»    آل الشيخ: خارطة طريق لمكافحة الأمية الهجائية بمختلف مناطق المملكة    وفد التعليم يستعرض برنامج «خبرات»بجامعة «ليستر»    الأمم المتحدة تعقد حوارًا تفاعلي رفيع المستوي بمناسبة اليوم العالمي للتعليم    الصين.. عزل 40 مليون شخص لمكافحة "كورونا"    بالصور… مدني الباحة ينجح في إخراج محتجزَيْ عقبة قلوة    مدير جامعة الملك سعود يرعى فعالية ( نحو خريج واعٍ)    أتليتكو وسبورتنغ لشبونة في نهائي "كأس القادة السعودي"    مقتل 4 أشخاص جراء هزة أرضية ضربت شرق تركيا    البعيجان عن فضل المدينة : بالمدينة تواتر نزول القرآن وفي المدينة شرعت الأحكام ومن المدينة انطلقت رايات الإسلام    ليبيا العربية بعيداً عن الإرهاب    سكني في 2019 : 16 مليون زيارة لموقع سكني ومليون تحميل لتطبيق سكني    تمكين المنشآت الصغيرة للاستثمار في السياحة والمقاولات    بالصور .. تفاصيل سقوط سيارة في منطقة وعرة بجبل في فيفاء    خالد بن سلمان يجيب أسئلة الساعة عن النظام الإيراني والحل في اليمن (النص الكامل للمقابلة)    النصر يحافظ على الصدارة بعد فوزه على الاتفاق    ملتقى أم القرى يوصي بتنظيم مؤتمر عالمي عن تاريخ مكة    "زكي" يشيد بالإصدارات السعودية في "كتاب القاهرة"    ولي العهد يبعث برقيتين لماريسون وساكيلا    إمام الحرم المكي: المسلم يجمع بين «الخشية» والإحسان    هيئة الترفيه تطلق باقة حجز «ونتر وندرلاند» للمجموعات    الصين تعزل ملايين الأشخاص لمكافحة فيروس كورونا    بحث احتياجات رنية الصحية    تظاهرة الصدر تطالب بخروج أميركا    الناصر: 2019 مرحلة تاريخية تعني الكثير ل"أرامكو"    سفير خادم الحرمين الشريفين لدى ليبيريا يلتقي وزير الداخلية الليبيري    الحكومة اليمنية: لا رجعة عن معركة صنعاء    مناقشة المستجدات في مجال العلاجيات والممارسات الصيدلانية    الحرس الثوري: طائرة قصف سليماني انطلقت من الكويت.. والأخيرة تستدعي السفير الإيراني لديها    موقع "سكني": 16 مليون زيارة وأكثر من مليون عملية تحميل لتطبيق الهواتف الذكية    خادم الحرمين الشريفين يرعى بعد غدٍ الأحد ختام مهرجان الملك عبد العزيز للإبل    لنكن خير سفراء لوطننا    قريتي (الخطوة وغيه) في أمسية مميزة ضمن فعاليات مهرجان المجاردة شتانا غير    فريق كلمات وألوان يبدع في رسم جدارية مهرجان البن    علي القرني عريساً    افتتاح مهرجان الأمير سلطان العالمي للجواد العربي    أمير الرياض يفاجيء المشاركين بأحد الاجتماعات ويرفض تدشين مشروعٍ لعدم اكتماله (فيديو)    مفهوم العقل في التراث العربي في ثلوثية الحميد بابها    بالصور.. تشييع جثمان رجل الأمن الذي استشهد أثناء عملية ضبط مطلوب أمني بمحايل عسير    الصين: عزل 40 مليون شخص لمكافحة "كورونا"    "المرور": إساءة استعمال منبّه المركبة مخالفة مرورية وهذه عقوبتها    بالصور.. “المقهى السعودي” في قلب منتدى “دافوس” الاقتصادي    بالصور .. حرس الحدود ينقذ 3 مواطنين تعطل قاربهم بعرض البحر    الأهلي يحافظ على مركزه بفضل هدفي "عمر السومة" في لقائه بالرائد        سياحة وخصوبة تربة وسلة غذاء    فيصل بن نواف: القيادة حريصة على تطوير القطاع الصحي    فحص القادمين من «غوانزو الصينية» في مطاري الرياض وجدة    الرقية الشرعية في منشآت الصحة النفسية    اقطعوا دابره!    الخثلان عن حكم تصوير الميت عند تغسيله : إساءة للميت والمطلوب الإحسان إليه وتكفينه    أمير الرياض يدشن مشروعات في القويعية بأكثر من 180 مليوناً    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدولة.. مشروعية قيامها.. وتحديات استمرارها
نشر في عكاظ يوم 23 - 07 - 2019

ما انفكت الدولة تحتكر محور اهتمام النظرية والممارسة السياسية.. وتشكل الموضوع الأساس في مسيرة التراكم المعرفي لعلم السياسة، بصورة عامة. في أدبيات علم السياسة المكتوب: هناك من الفلاسفة والمفكرين من دافع عن الدولة وأشاد بها، حتى أن البعض بالغ في تقديسها، كونها صنيعة «ميتافيزيقية» أبعد من أن تبلغ حكمة وجودها إدراك البشر. بينما يظل، طوال مسيرة تطور النظرية والممارسة السياسية، من ينظر إليها، كونها: سبباً لتعاسةِ البشرِ.. وكرّست مشروعية عبوديتهم.. ونتيجةً لتفاعل الطبيعة الشريرة للإنسان، التي تبلغ ذروتها في ظاهرة الحروب.
إلا أن الغالب، في أدبيات الفلسفة السياسية، أن الدولة ضرورة اجتماعية.. وفي أسوأ مبررات تفسير وجودها، كونها شرا لا بد منه. وإن كان الفكر الثوري، الذي يتزعم ريادته ماركس وأنجلز، لا يرى ضرورة إطلاقاً للدولة.. وأن نهاية شقاء الإنسان وتعاسته، يكمن في زوال الدولة، بصورة جذرية، وإقامة المجتمع الشيوعي.
مع ذلك تظل الدولة، تفرض واقع وجودها، على النظرية والممارسة السياسية، لتتمحور مسيرة التراكم المعرفي لعلم السياسة، حول المقارنة والمفاضلة بين الأنظمة السياسية، التي تحكم الدول، وصولاً إلى نموذج الدولة المستقرة، التي تُوجِدُ المواطنَ الصالحَ.. ويسودُها الحكمُ الرشيدُ.
إذن: هناك ما يشبه الإجماع حولَ ضرورةِ وجودِ الدولةِ، بينما يتمحور الخلاف حول أسسِ شرعيتها.. وإمكانيةِ استقرارها، واحتمالات بقائها. إلا أن مسيرة النظرية السياسية، اصطدمت بحقيقة التناقض بين فطرة الإنسان الحرة.. وميله للسلوك الاجتماعي. المشكلة السياسية تتمحور حول حقيقة أن ميل الإنسان للاجتماع مع الآخرين، لن تتحقق الغاية منه، دون المساومة على حقوق وحريات الفرد. الحل: أن تؤسس مشروعية قيام الدولة على كفاءة وفاعلية مؤسساتها السياسية، في القيام بمهامها الوظيفية.. والتزامها بحقوق وحريات مواطنيها، مما يضمن استقرارها.. ومن ثَمّ توفر إمكانات بقائها.
نظرياً: لم يتطور نموذج الدولة، إلا من أجْلِ إشباعِ حاجات (مادية وروحية) لا يمكن إشباعها، بفاعلية وكفاءة، إلا من خلالِ العيش في كنفِ الدولة، كما يجادل فلاسفة الإغريق القدماء. هؤلاء رأوا في الدولة تطوراً اجتماعياً طبيعياً، استجابةً لفطرةِ الإنسانِ السياسية (أرسطو).. أو كونها تطوراً اجتماعياً مكتسباً (أفلاطون)، لا فرق، طالما أن الدولة ليست غايةً، في حدِ ذاتها، بل أداةً لإيجادِ المواطنَ الفاضلَ.. وتسٓيُّدَ الحكمُ الرشيدُ.
قد تكمنُ مشكلة النظرية الإغريقية في تفسير وجود الدولة وتبرير مشروعيتها، في خلوها من الإشارة إلى علاقتها بحقوق الفرد، ولا نقول: المواطن. الإغريق القدماء حددوا معاييرَ صارمةً للمواطنةِ، لا تنطبقَ على معظمِ أفرادِ المجتمعِ، قصورٌ استدركه، في ما بعد الرواقيون في تنظيرهم لتجربة الأمبراطورية الرومانية، بتطويرِ مبدأَ المساواةِ الإنسانيةِ.. وفكرةَ القانونِ الطبيعيِ.
إلا أن التركيز على حقوق وحريات الفرد، كأهم حافز إنساني قاد إلى قيام الدولة.. وحدد مشروعيتها الأساسية، من إبداع الفلسفة الليبرالية، في نظرية العقد الاجتماعي. لم يرَ فلاسفة العقد الاجتماعي في ذروة عصر النهضة، تعارضاً بين وجود الدولة والمساومة على الحقوق الفردية، بصفة عامة. بالعكس: فلاسفةُ العقدِ الاجتماعيِ رأوا في وجودِ الدولة قيمة سياسية وأخلاقية مضافة، تكمن في تعظيم الحقوق الطبيعية والمكتسبة للفرد، لا الانتقاص منها.
من حينها نظرياً وممارسةً: تستند مشروعية قيام الدولة، على مهمتها الوظيفية، التي قال بها الإغريق القدماء.. وعلى فكرة المساواة بين البشر وسيادة القانون الطبيعي، التي قال بها الرواقيون، بالإضافة إلى حمايتها وتعظيمها لتمتع الفرد بممارسة حرياته الطبيعية والمكتسبة. هذه الإضافة الأخيرة لفلاسفة نظرية العقد الاجتماعي الليبراليين لتفسير قيام الدولة، تُعَدُ، بالنسبة لهم: الركيزةُ الأساسيةُ لشرعية الدولة.. والضمانة الفعالة والكفوء لاستقرارها، ومن ثَمّ استمرارها وبقاؤها، أملاً في حل المشكلة السياسية.. ومن ثَمّ تطوير نظرية متكاملة لعلم السياسة.
مواصفات الدولة الوظيفية، كما جاءت في النظرية والممارسة الإغريقية القديمة، بإضافة النظرية الليبرالية، للجانب السياسي والأخلاقي المتمثل في التأكيد على نظام الحقوق والحريات الفردية، شكلت في مجموعها نواة مشروعية الدولة القومية الحديثة، التي نشأت عقب صلح وستفاليا 1648.
متى تهاونت الدولة، أو بالأحرى نظامها السياسي بمهمتها الوظيفية ومسؤوليتها السياسية والقانونية والأخلاقية، في ما يخص التزامها بحقوق مواطنيها وحرياتهم، تفقد مشروعية وجودها.. وتساوم على استقرارها، وربما تؤذن بزوالها. من هنا فإن سيطرةَ القِيَمِ الرأسمالية، في نموذجها اللا إنساني المتوحش والشرس، هو أكبر تحدٍ تواجهه الدولة القومية الحديثة، ليس في دول الجنوب الأدنى نمواً والأقل استقراراً، بل أيضاً في دول الشمال: الأكثر تقدماً والتزاماً، دستورياً وسياسياً، بقيم الليبرالية، التي تحكم تجربتها الديمقراطية.
في أوربا، على سبيل المثال: من الحين والآخر، تندلع أعمالُ عنفٍ لفشلِ الدولةِ في وظيفتها الاقتصادية، وبالتبعية: كفاءتها، بل وقصورها، في إشباع الحد الأدنى من احتياجات مواطنيها المعاشية، وكثيراً ما تلجأ هذه الدول لاستخدام العنف لقمع تلك الاحتجاجات، كما يحدث هذه الأيام في فرنسا. الوضع أقسى وأمر في دول الجنوب، الأقلُ نمواً والأكثرُ تخلفاًً. الدولة هناك، تعاني من خلل وظيفي يعكس عدم كفاءة في الأداء، يصل لمستوى الدولة الفاشلة، ناتج عن الفساد المستشري في مؤسسات تلك الدول وبين رموزها، حتى بين الدول الغنية منها، التي لا تعاني من نقص في الموارد المادية والمالية.. وإن كان معظمها يعاني مسألة حقوق إنسان مزمنة.
الدولة عندما تفقد مسوغات شرعيتها، تعجز عن مواجهة تحديات استقرارها.. وتنتهي إلى المساومة على بقائها.
* كاتب سعودي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.