في حال حصول خطأ من مجلس إدارة الشركة تسبب في حصول أضرار لمساهمي تلك الشركة، فهل دعوى المطالبة بالتعويض عن تلك الأضرار ترفع ضد مجلس الإدارة الذي تسبب في ذلك الخطأ، أم ترفع ضد الشركة نفسها؛ وللإجابة على هذا التساؤل وفقاً لنظام الشركات السعودي ينبغي التعرض للمحاور التالية:- يحصر بعض المنشغلين بالثقافة القانونية دعاوى المطالبة بالتعويض عن الأضرار ضد أخطاء مجلس الإدارة في دعاوى ثلاث فقط، وهي حق كل مساهم في رفع هذه الدعوى ضد من أخطؤوا في الشركة استناداً للمادة (78) من نظام الشركات، وحق الجمعية العامة العادية في رفع الدعوى وفقا للمادة (77) من نظام الشركات، وحق هيئة سوق المال في رفع الدعوى ضد من أخطأ وخالف أنظمة ولوائح هيئة السوق أمام لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية عملا بنص المادة (59) من نظام هيئة السوق المالية. والحقيقة أن هذا الحصر غير دقيق وجانبه الصواب وفيه إخلال بحق المساهمين لوجود طريق آخر رسمه نظام الشركات السعودي للمساهمين في علاقتهم المباشرة مع الشركة والمتمثل في حقهم في مطالبة الشركة بالتعويض مباشرة باعتبارها المسؤول الأول والأخير نظاما وشرعا عن تعويض الغير (المساهمين) جراء ما أصابهم من أضرار ناجمة عن الأخطاء التي تقع من مجلس الإدارة أثناء إدارتهم للشركة وهذه المسؤولية تضامنية نص عليها نظام الشركات والتي تسمى فقهاً (مسؤولية التابع والمتبوع). يظن البعض انه ينبغي لمسائلة الشركة بالتعويض عن الضرر أن ينسب لها خطأ ما -وهذا محال- إذ ان الأنظمة القانونية اعترفت بالشخصية الاعتبارية للشركة كشخص معنوي وليس كشخص طبيعي، لأنه من غير المتصور أن الشركة تخطئ وإنما الذي يخطئ هو القائم على إدارتها متمثلا في شخص المدير أو الممثل القانوني أو المفوض أو مجلس الإدارة أو العضو المنتدب، ومع ذلك تكون الشركة مسؤولة عن تلك الأخطاء أمام الغير. ويحق للشركة محاسبة مجلس إدارتها عن الأخطاء التي وقعت منه أثناء إدارته للشركة والتي سببت لها تعويض الغير عن الأضرار التي لحقت به من جراء هذه الأخطاء، وذلك بقرار من الجمعية العامة العادية وهي ما تسمى بدعوى المسؤولية المباشرة ضد المجلس. أما إقامة المساهمين لدعوى المسؤولية ضد مجلس الإدارة فهو حق للشركة لكن النظام أجاز للمساهمين استخدامه حال تقاعس الشركة في ذلك، وهي تعرف بالدعوى غير المباشرة، وترفع من المساهمين بضوابط نص عليها نظام الشركات في المادة (78) من نظام الشركات. وتأسيسا على ما سبق فإن الطريق الصحيح شرعاً ونظاماً لمطالبة المساهمين بالتعويض عن الأضرار التي تسبب فيها مجلس الإدارة يتثمل في الخيار بين إقامة الدعوى المباشرة ضد الشركة باعتبارها المسؤول عن أعمال مجلس إدارتها مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه شرعاً ونظاما استناداً للمادة (75) من نظام الشركات السعودي التي نصت على أن «تلتزم الشركة بالأعمال التي يجريها مجلس الادارة في حدود اختصاصه كما تُسأل عن تعويض ما ينشأ من الضرر عن الافعال غير المشروعة التي تقع من اعضاء المجلس في ادارة الشركة»، ويشترط لهذه الدعوى إثبات الضرر فقط لأن الخطأ مفترض في حق الشركة وفقا لمسؤولية التابع والمتبوع باعتبار أن المتبوع مسؤول بالتضامن مع التابع عن الخطأ الذي ارتكبه الأخير لأن كلاهما أخطأ، الأول قصر في اختياره لتابعه والثاني بخطئه الشخصي. أما الخيار الثاني فيتثمل في حق المساهم في إقامة الدعوى غير المباشرة ضد مجلس الإدارة (دعوى المسؤولية الشخصية) حال تقاعس الشركة عن استعمال حقها في رفع الدعوى وهو حق أصيل للشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة وفقا للمادة (78) من نظام الشركات ونصها «لكل مساهم الحق في رفع دعوى المسؤولية المقررة للشركة على أعضاء مجلس الإدارة إذا كان من شأن الخطأ إلحاق ضرر خاص به، ولا يجوز للمساهم رفع الدعوى المذكورة إلا إذا كان حق الشركة في رفعها لا زال قائماً ويجب على المساهم أن يخطر الشركة بعزمه على رفع الدعوى، وإذا رفع المساهم الدعوى المذكورة فلا يحكم له إلا بقدر ما لحقه من ضرر.. إلخ» وهذه الدعوى مشروطة بقيدين أولهما أن يكون حق الشركة في رفع الدعوى لا زال قائما وثانيهما أن يخطر الشركة بعزمه على رفع هذه الدعوى. وهذا الخيار جوازي منحه النظام للمساهم المضرور في أن يسلك أي الطريقين طريق الدعوى المباشرة ضد الشركة (المتبوع) وفقا لأحكام المسئولية التبعية عن عمل الغير واستناداً للمادة (75) من نظام الشركات السعودي، أو طريق الدعوى غير المباشرة ضد مجلس الإدارة (التابع) وفقا لأحكام المسؤولية الشخصية واستناداً للمادة (78) من نظام الشركات السعودي، وللمضرور الحق في مطالبة أيا منهما أو كلاهما بالتعويض. فإن اختار المساهم المضرور رفع دعواه ضد الشركة (المتبوع) فلا يحق لها الدفع بانتفاء صفتها ومطالبة المساهم بالرجوع على مجلس الادارة، كما لا يحق لمجلس الادارة (التابع) حال اختيار المساهم المتضرر رفع دعواه ضده ان يدفع بانعدام صفته ومطالبة المساهم بالرجوع على الشركة. والجدير بالذكر أن نظام هيئة السوق المالية السعودي قد أخذ بمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعة حيث نص في المادة (56 فقرة أ) من نظام الهيئة «أ- يكون مسؤولا عن تعويض الأضرار المادية أي شخص يصرح أو يكون مسؤولا عن شخص آخر صرح شفاهة أو كتابة ببيان غير صحيح يتعلق بواقعة مادية جوهرية أو يغفل التصريح ببيانات تتعلق بتلك الواقعة، إذا ترتب تضليل.. إلخ»، وكذلك في نص المادة (57 فقرة أ) «أي شخص يخالف المادة التاسعة والاربعين من هذا النظام، أو أيا من اللوائح أو القواعد التي تصدرها الهيئة بناء على تلك المادة، وذلك بالتصرف أو اجراء صفقة التلاعب في سعر الورقة المالية على نحو متعمد، أو يشترك في ذلك التصرف أو الاجراء، أو يكون مسؤولا عن شخص آخر قام بذلك. أما إقامة الجمعية العامة العادية لدعوى المسؤولية ضد أعضاء مجلس الإدارة بقرار منها وتعيين من ينوب عن الشركة في مباشرة هذه الدعوى وفقا للمادة (77) من نظام الشركات، أو إقامة دعوى المسؤولية من هيئة السوق المالية ضد من أخطأ وخالف أنظمة ولوائح هيئة السوق استناداً للمادة (59) من نظام هيئة السوق المالية فهي حق للجمعية العامة العادية ولهيئة السوق المالية بما لهما من دور رقابي وتوجيهي على الشركة قد يترتب عليه عزل من أخطأ أو خالف أو الغرامة فحسب، ولا يترتب عليهما إطلاقاً حصول المساهمين على أي تعويض عن الإضرار التي أصابتهم من جراء أخطاء مجلس الادارة بل لا بد أن يعقبه رفع دعوى مطالبة بعد ثبوت المسؤولية سواء على الشركة أو العضو الذي ينسب إليه الخطأ أو المخالفة. لذلك فإن اختار المساهمين رفع الدعوى مباشرة ضد الشركة فلا يجب رد دعواهم استنادا للمادة (75) من نظام الشركات، ولضمان الملاءة المالية للشركة في دفع التعويضات التي تصل لملايين الريالات، لا سيما وان ضمان مسؤولية أعضاء مجلس الادارة 10000 عشرة آلاف ريال وفقا للمادة (68) من نظام الشركات كحد أدنى للعضوية -وهذا محل نظر- هذا بالإضافة إلى أن الخطأ مفترض في دعوى التعويض عن المسؤولية التبعية وفقا لأساس مسؤولية المتبوع التي تفترض خطأ المتبوع في الاختيار و كفالة وضمان المتبوع لتابعه وحلول التابع محل متبوعة في القيام بأعماله وتحمل المتبوع تبعة ذلك. وبذلك جرى العمل في العديد من الدول ومنها المملكة التي قضت أحكامها بمساءلة الشركة عن تصرفات المدير طالما ان تلك التصرفات قد تمت في نطاق غرض الشركة، وحتى لو جاوز المدير حدود سلطاته، ومن الاحكام التي قررت وأيدت ذلك صراحة قرار هيئة حسم المنازعات التجارية بجدة رقم 11/98 وتاريخ 5/2/1398ه في القضية رقم 64/97 التي تتلخص وقائعها في أن الشركة المدعى عليها، قد خالفت أحكام المادة 12 من نظام الشركات بخلو مطبوعاتها من إيضاح الاسم النظامي للشركة، فاحتجت بأن الموظف الذي أصدر الخطاب قد أغفل وضع الختم عليه مما حال دون اكتمال المعلومات التي يستلزمها النظام؛ فلم تقتنع الهيئة بهذا الدفع، وأصدرت قرارها بإدانة الشركة استناداً إلى أن الموظف تابع لها، وهي مسؤولة عن أعمال تابعها. والباحث القانوني المتعمق يجد أن الشريعة الاسلامية سبقت جميع الانظمة القانونية الحديثة في مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعة ولها صور عديدة منها مسؤولية المُكرِه عن فعل من أكرهه، ومسؤولية الآمر عن فعل المأمور، ومسؤولية الدولة عن عمل الأمير وعمالها وتتجلى أبهى صورها في أن الخليفتين أبي بكر الصديق وعُمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنهما) كانا يعوضان من بيت مال المسلمين الأضرار الناجمة عن أعمال الموظفين وفي الاثر أن الخليفة أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) قد دفع دية مالك بن نويره لأخيه من بيت المال عندما قتله خالد بن الوليد بطريق الخطأ، تيمناً برسول الله حين دفع دية بني جذيمة عندما قتلهم خالد خطأً. والقول بعكس ذلك مؤداه إتاحة الفرصة لبعض الشركات كي تتواطؤ مع أعضاء مجلس إدارتها في الإثراء بلا سبب على حساب الأضرار بالمساهمين مكتفيةً بعزل بعض أو كل أعضاء مجلس الإدارة أو تتحمل الغرامة التي توقعها عليها هيئة السوق المالية، أو أن تتقاعس الشركة عن رفع دعوى المسؤولية ضد مجلس إدارتها بعدم رفعها أو بتفويت المدة اللازمة نظاما لرفعها (سنة)، وتتنصل الشركة من المسؤولية بالدفع بانتفاء صفتها في الدعوى وأن مجلس الإدارة هو صاحب الصفة والمسؤول عن أخطائه قبل المساهمين وهذا غير صحيح، ومن ثم يؤدي إلى ظلم المساهمين وأكل أموالهم بالباطل وإفلات الشركة من المسؤولية ويؤدي لإفساد التعاملات والمضاربات في السوق المالية ويبعث على عدم الطمأنينة وعدم الثقة فيها مما يضر بالاقتصاد الوطني.