سمو نائب وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع الأمريكي    العدالة يواصل حضوره برباعية في ضمك.. والفيحاء يقلب تأخره أمام الحزم لفوز    الوحدة يخسر من برشلونة ويلعب على برونزية العالم    الجبال : سنهدي جماهير النموذجي نقاط النصر .. سعدان : عازمون على تحقيق الفوز رغم صعوبة لقاء بطل الدوري    الرياض وواشنطن: نقف معا لمواجهة التطرف والإرهاب الإيراني    192 برنامجاً تدريبياً في تعليم الحدود الشمالية    جامعة أم القرى تغير مفهوم استقبال المستجدين بملتقى " انطلاقة واثقة"    وظائف شاغرة للرجال والنساء بالمديرية العامة للسجون.. موعد وطريقة التقديم    أمير الرياض يستقبل المفتي العام والعلماء والمسؤولين    «ساما»: القروض العقارية للأفراد تقفز إلى 16 ألف عقد    وزير الدولة لشؤون الدول الإفريقية يجتمع مع وزير الخارجية البحريني ووزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي    وفد مسلمي القوقاز يزور مجمع كسوة الكعبة المشرفة    هل يمهد تعطيل البرلمان البريطاني لحرب ضد إيران؟!    «وول ستريت»: طرح أرامكو بسوق الأسهم السعودية هذا العام    مؤشرا البحرين العام والاسلامي يقفلان على انخفاض    المملكة تتبرع بمليوني دولار للمنظمة الإسلامية للأمن الغذائي    مسؤولة أممية: النازحون والمهاجرون في ليبيا يعانون بشدة    حقيقة إصدار هوية جديدة تُغني عن الرخصة وكرت العائلة وجواز السفر    مهرجان ولي العهد للهجن الثاني يضع الطائف في صدارة الوجهات السياحية العربية    بدء العمل في قسم جراحة اليوم الواحد بمستشفى حائل العام    «تقنية طبية» جديدة تهب الأمل لمصابي «السرطان»    نادي الشرقية الأدبي يواصل فعالياته لليوم الثاني .. توقيع كتب وتجارب مؤلفين    الموري يدخل تحدي الجولة الثالثة من بطولة الشرق الأوسط للراليات    دارة الملك عبدالعزيز تحدّث مقررات الدراسات الاجتماعية والمواطنة    350 ألف دولار جوائز اليُسر الذهبي في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»    انطلاق فعاليات البرنامج التعريفي بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن    الأمير بدر بن سلطان يناقش استعدادات الجامعات بالمنطقة ويستمع للخطة المرورية التي سيتم تنفيذها بالتزامن مع بدء العام الدراسي    162 انتهاكاً للملكية الفكرية.. والهيئة توقع عقوبات    “اللهيبي” يكشف عن حزمة من المشاريع والأعمال الإدارية والمدرسية أمام وسائل الإعلام    سمو سفير المملكة لدى الأردن يلتقي رئيس جامعة الإسراء    شرطة مكة تعلن ضبط 8 متورطين بمضاربة «السلام مول».. وتكشف حالة المصاب    "الأرصاد" تنبه من رياح نشطة وسحب رعدية على أجزاء من تبوك    فتح باب القبول والتسجيل لوظائف الدفاع المدني للنساء برتبة جندي    التعليم تعلن جاهزيتها للعام الدراسي ب 25 ألف حافلة ومركبة    ضمن برنامج “البناء المستدام”.. “الإسكان” تسلم مواطنا أول شهادة لجودة البناء    سمو الأمير فيصل بن بندر يستقبل مدير فرع وزارة الشؤون الإسلامية بالمنطقة    صحافي إسباني: برشلونة يخسر كرامته    «الشؤون الإسلامية»: كود بناء المساجد يحمل رسالة العناية ببيوت الله وتطويرها    مركز الملك سلمان للإغاثة يسلم مشروع صيانة شارع "محمد سعد عبدالله" في مديرية الشيخ عثمان بعدن    “التحالف”: اعتراض وإسقاط طائرة “مسيّرة” أطلقتها المليشيا الحوثية من صعدة باتجاه المملكة    الاتحاد البرلماني العربي يدين حذف اسم فلسطين من قائمة المناطق    المجلس المحلي لمحافظة العيدابي يناقش المشروعات الحيوية    هذ ما يحدث إذا كان المستفيد الرئيسي غير مؤهل في حساب المواطن    الهيئة الاستشارية بشؤون الحرمين تعقد اجتماعها الدوري    "صحة الطائف" تعرض الفرص الاستثمارية بالمجال الصحي الخاص وتركز على أهمية التقنية    إقرار وثيقة منهاج برنامج القيادة والأركان    سفير نيوزيلندا:            د. يوسف العثيمين        «الحج» تطور محرك حجز مركزي لربط منظومة الخدمة محلياً ودولياً    الجيش اللبناني يتصدى لطائرة إسرائيلية    تبوك: إنجاز 95% من جسر تقاطع طريق الملك فهد    بعد استقبال وزير الداخلية.. ماذا قال صاحب عبارة «هذا واجبي» ل«عكاظ»؟    الملك يأمر بترقية وتعيين 22 قاضيًا بديوان المظالم على مختلف الدرجات القضائية    وقت اللياقة تخطف الانظار في موسم السودة    جامعة الملك خالد تنظم مؤتمر "مقاصد الشريعة بين ثوابت التأسيس ومتغيرات العصر" رجب المقبل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تركيا الجديدة

دعوة من رئاسة مجلس الوزراء بالجمهورية التركية، شاركت "الشرق" ضمن 10 شخصيات إعلامية ومؤسسات بحثية، في زيارة استغرقت أسبوعاً إلى كل من أنقرا واسطنبول، التقت خلالها العديد من المسؤولين وصنَّاع القرار والجهاز التنفيذي الحكومي، إضافة إلى مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام.
هدفت الزيارة إلى اجراء نقاشات وحوارات حيال العلاقات التركية العربية، خاصة بعد مرور 10 سنوات على حكم حزب العدالة والتنمية، الذي وصل إلى الحكم في 2002، واستطاع أن يدير دفة الحكم بصورة أذهلت الداخل والخارج، وقدمت نموذجاً جديداً، وباتت تجربة حكومة " العدالة والتنمية " مثالاً في استنهاض قوى المجتمع لتحقيق التنمية الشاملة، وهو ما حققه الحزب في مسيرته خلال السنوات ال " 10 " الماضية.
"الشرق" تستعرض في سلسلة تقارير الزيارة التي قامت بها إلى تركيا، والتقت خلالها بالنخب السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والاعلامية..
يمثل الثالث من نوفمبر 2002 مفصلاً تاريخياً في مسيرة تركيا الجديدة، ففي هذا التاريخ أعلن عن فوز حزب جديد على الساحة لم يمض على تشكيله نحو عام فقط، وهو ما مثل ضربة قوية للقوى التقليدية الموجودة في الساحة التركية، خاصة تلك التي يدعمها الجيش، الذي طالما كانت له اليد الطولى في الساحة السياسية طوال العقود الماضية، وكان يحسم أي صراع لصالحه مباشرة، أو لصالح قوى محسوبة عليه، وتسير تحت مظلته.
هذا الحزب الوليد الذي قفز إلى الساحة متقدما على كل الأحزاب التقليدية، هو حزب " العدالة والتنمية " الداخل الى معترك الحياة السياسية بكل قوة بعد ان حقق فوزا في الأصوات الانتخابية وصلت الى 34.5 %، وهو ما يمثل ثلثي البرلمان، مما يمكنه تشكيل الحكومة بدون عوائق قد يتعرض لها.
للعلم فان حزب العدالة والتنمية اسس في اغسطس 2001، بعد ان تم اغلاق حزب الفضيلة، الذي هو امتداد لحزب الرفاه "ذو التوجه الإسلامي".
بعد ان تم اغلاق حزب الفضيلة، انقسم اعضاؤه الى فريقين متوازيين لتأسيس حزبين منفصلين، فكان ان تحول 51 عضوا من الفضيلة الى تأسيس حزب العدالة والتنمية، فيما تحول عدد مماثل الى تأسيس حزب السعادة، وذلك بعد يومين من اغلاق حزب الفضيلة الذي تم في اغسطس من عام 2001.
كان الرهان قويا على ألا يكمل هذا الحزب ذو التوجه الاسلامي وذو الجذور الاسلامية كذلك، فهو منبثق من حزبين تم اغلاقهما، وان كان حزب العدالة لا يعرف نفسه بأنه ذو توجه اسلامي، ويصر على انه حزب محافظ وديمقراطي مسيرته في الحكم، وان يتعرض الى انتكاسة وفشل ذريع، الا انه كان على النقيض من ذلك تماما، فقد استطاع هذا الحزب وبفضل وعي وادراك قيادته ان يتخطى كل العقبات التي وضعت امامه، خاصة في العامين الاولين من الحكم، حيث تعرضت حكومة حزب العدالة والتنمية الى هجوم كاسح من جميع الاطراف، وفي مقدمتها وسائل الاعلام التي كانت تسعى الى تأليب الرأي العام التركي، وتجييش قوى المجتمع ضد الحزب، ومحاولة افشال جهوده في مختلف المجالات، فكانت شوارع تركيا بمدنها تكتظ يوميا بالمتظاهرين، وينقل عن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قوله " انه ظل لنحو عامين كلما فتح نافذة مكتبه رأى أعدادا من المتظاهرين الساخطين على حزبه، والمعارض له "، إلا أن الوضع قد اختلف اليوم، وانعكست الآية تماما، حيث زادت شعبيته بشكل مذهل.
تركيا المديونة
ولكن كيف هي اليوم - تركيا- بعد أكثر من 10 سنوات من حزب العدالة والتنمية؟.
من المهم الاشارة الى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والتعليمية.. في تركيا قبل مجيء حزب العدالة الى الحكم، حتى يتضح المشهد في حجم التغير الذي شهدته تركيا.. تركيا الجديدة.
عندما استلمت حكومة حزب العدالة الحكم، كانت الحكومة التي سبقتها قد أنهت اجراءات الاقتراض من صندوق النقد الدولي مبلغ 26 مليار دولار، اي ان حكومة حزب العدالة ورثت قرضا لصندوق النقد الدولي يقدر ب 26 مليار دولار، وهو ملزم التسديد، وكانت موازنة الدولة يدفع منها 85 % لتسديد فوائد الديون، ولم يتجاوز الاحتياطي التركي في عام 2002 وهو العام الذي تولت فيه حكومة العدالة الحكم 27 مليار دولار، ولم يكن هناك نمو اقتصادي، وكان متوسط دخل الفرد لا يتجاوز 2700 دولار سنويا، والتضخم وصل الى 35 %، فيما الناتج القومي لم يتجاوز 200 مليار دولار، وعدد الجامعات في كل تركيا 54 جامعة، اضافة الى سيطرة الجيش على مفاصل الدولة، وسطوة القضاء وتلاقيه مع العسكر في إدارة البلد، والانقلاب الدائم على الحكومات...
تركيا الجديدة
هذه صورة مبسطة عن وضع تركيا في عام 2002 عندما استلمت حكومة حزب العدالة والتنمية الحكم، فكيف هو الحال اليوم بعد 10 سنوات من هذه الحكومة؟
قبل الحديث عن الارقام، كنت اظن ان تأييد حكومة حزب العدالة يأتي من الاسلاميين أو من ذوي التوجهات الاسلامية، ولكن بعد حوارات ومشاهدات عديدة، ونقاشات مع رجل الشارع، وفي المؤسسات الاعلامية والمراكز البحثية، وجولات ميدانية في عدد من المرافق، اتضح لي ان الذين يؤيدون سياسات الحزب من كل الاتجاهات، ومن جميع الاطياف.
جلست في حوار مع معدة برامج في إحدى القنوات التركية في اسطنبول، وهي ليست متحجبة، وتدخن السيجار، ومنفتحة، سألتها عن الأوضاع في تركيا كيف تراها، فعبرت عن سعادتها لما وصلت لها البلاد، وكنت أظن انها سوف تنتقد حزب العدالة، إلا أنها كانت أكثر حماسا في الدفاع عنه وعن سياساته، فقلت لها لكنه حزب ذو توجه اسلامي وانت لست متحجبة، فقالت: هو حزب ديمقراطي، وأحدث نقلة نوعية في البلد، لا يعنيني توجه الحزب..، سألتها ان كانت سوف تصوت له في الانتخابات القادمة، فردت وهي مبتسمة: بكل تأكيد.
لم يختلف حماسة هذه الفتاة التركية عن سائق الحافلة التي كنا نتنقل بها، عندما سألته عما اذا كان مرتاحا لوضعه الاقتصادي فأجاب بنعم، فقلت له كيف، فقال: في 2002 لم يكن الكثير من الشعب التركي يستطيع شراء سيارة، اليوم الغالبية لديها القدرة على ذلك، وقلت له ومن اخترت في الانتخابات السابقة فقال: حزب العدالة، فقلت له ممازحا بالتأكيد سوف تعطي صوتك لحزب آخر في الانتخابات القادمة لربما يكون التغيير أفضل من حزب العدالة، نظر اليَّ وقال: كلا، سوف أمنح صوتي لحزب العدالة، لانه عمل لنا الكثير.
هذا السائق ليس ملتحيا، وتلك الفتاة ليست متحجبة، إلا أنهما كانا من اكثر المؤيدين لحزب يشار اليه وان كان في الغرف المغلقة بأنه اسلامي، بل وفي العالم العربي يؤكد الجميع ذلك.
تركيا العدالة بالأرقام
دعونا نلقي نظرة بلغة الارقام على النقلة التي احدثها حزب العدالة والتنمية في المجتمع التركي، والتجربة التي تستحق الدراسة والتوقف عندها، خاصة في الدول العربية، ودول الربيع العربي على وجه الخصوص.
كما أشرت ورث هذا الحزب 26 مليار دولار دينا لصندوق النقد الدولي، فكيف هو الحال اليوم؟
استطاعت حكومة الحزب أن تسدد كل هذا المبلغ خلال 10 سنوات، وكان آخر قسط تم تسديده قبل أيام، وليس هذا فحسب بل أقدمت تركيا على اقراض صندوق النقد الدولي، فقد تحولت هذه الدولة من دولة مديونة الى دولة دائنة.
متوسط النمو طوال السنوات العشر كان 6.6 %، ودخل الفرد وصل إلى 12 ألف دولار بعد أن كان 2700 دولار، أما الاحتياطي فقد قفز الى 135 مليار دولار، والناتج القومي وصل الى 900 مليار دولار، والتصدير قفز من 32 مليارا في 2002 إلى 154 مليار دولار، والبطالة أقل من 9 %، وعدد الجامعات في تركيا وصل إلى 170 جامعة.
بالمناسبة بعد أن حقق حزب العدالة في الانتخابات الأولى فوزا بنسبة 34.5 % عام 2002، تواصل صعود نجم الحزب، ففاز في الانتخابات الثانية في 2007 بنسبة 47 %، وواصل صعوده ليحظى بأصوات 50.4 % في آخر انتخابات برلمانية عام 2011، فيما تشير استطلاعات الرأي انه في حال اجراء انتخابات حاليا فان الحزب سوف يحقق نسبة لا تقل عن 52 % من الأصوات.
هذه الثقة المتزايدة من الأتراك في حزب العدالة لم تأت اعتباطا، إنما بعد أن قدم الحزب وكوادره نموذجا في الحكم والادارة، ورفع سقف الحريات أمام الجميع، وفتح أبواب الديمقراطية الحقيقية دون أن يمثل ذلك تعارضا مع قيم المحافظة التي ينتهجها الحزب، والتي يؤكد انها جزء من تراث وقيم المجتمع، وليس بينها وبين الديمقراطية اي تضارب، اضافة الى بناء المجتمع ومؤسساته المختلفة، وتطوير الاقتصاد بصورة لافتة، مما جعل تركيا تحتل المركز السادس عشر عالميا، ولديها عزم واصرار على أن تكون العاشرة في عام 2020، فيما اقتصادها كان واحدا من أكثر الاقتصادات على المستوى الأوروبي قوة ومتانة، ولم يتأثر بالازمة المالية العالمية التي ضربت العالم كثيرا، بل واصل نموه، وان انخفض في عام 2008، إلا أنه لم تتوقف مسيرة النمو.
ويؤكد نائب رئيس الوزراء بولنت ارينج ان حزب العدالة والتنمية لديه من الكوادر ما يؤهله لتشكيل " 10" حكومات متوازية في آن واحد، وبنفس الكفاءة والدرجة العالية من الاداء.
هذا التصريح والاعلان لمسؤول بهذا المستوى يلامس ارض الواقع، فخلال هذه الدعوة التقينا أعداداً متفاوتة في المناصب والاعمار كذلك من اعضاء حزب العدالة، كان الغالبية منهم في اعمار الثلاثينيات وبداية الاربعينيات، يتولون مناصب قيادية وفي الجهاز التنفيذي، وما يميز الجميع ان لديهم طموحا عاليا، ورؤية واضحة، ومشروع بعث أمة "تركية " حضارية متسامحة ومتعايشة مع الجميع، تستفيد من ماضيها في بناء مستقبلها.
والأمر المهم ان الجيل الثاني من اعضاء الحزب متطابق فكريا مع الجيل القيادي الحالي، وتجد "النغمة " واحدة بين جيل "المخضرمين " وجيل الشباب، الذي يتولى العديد من المناصب القيادية وفي الجهاز الاداري، وهي قضية جدا مهمة، لا تجد انفلاتا او خروجا عن الفكر والنهج و" النص " ان صح التعبير.
أردوغان وغول
وللعلم لم يكن رجب طيب اردوغان الرئيس الاول لحكومة حزب العدالة والتنمية في 2002، انما كان الرئيس الحالي للجمهورية التركية عبدالله غول هو اول رئيس لحكومة حزب العدالة، أما رجب طيب أردوغان الذي يمثل ظاهرة، وذو شخصية فذة فقد منع من تولي رئاسة الحكومة لوجود حكم قضائي مسبق عليه، إلا أن هذا الحكم ألغي بعد أن فاز عن مدينة " سعرت " بنسبة 85 %، فاضطر القضاء للرضوخ الى إرادة الشعب، وكانت لديهم قناعة ان حكم حزب العدالة لن يطول كثيرا، وان الفشل سيكون مصيره.
تولى أردوغان رئاسة الحكومة في 16 مارس 2003، بعد ان تنازل عنها رفيقه وصاحبه عبدالله غول، الذي تولى حقيبة الخارجية، سرعان ما دفع به لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التالية.
وهذه هي الدورة الثانية لاردوغان في رئاسة الحكومة، وسوف تنتهي في 2015، وبالمناسبة فقد تعرض اردوغان خلال السنوات ال " 10 " الى " 6 " محاولات اغتيال، بطرق مختلفة، إلا أنه نجا منها، ولم يعلن عنها.
8.5 مليون أعضاء الحزب
حسب بعض الأرقام فان أعضاء حزب العدالة يصلون الى 8.5 مليون عضو، من بينهم 3.5 مليون امرأة.
يبلغ أعضاء حزب العدالة في البرلمان الحالي 326 عضوا من 550 عضوا هم اجمالي اعضاء البرلمان التركي، مما يجعلهم يمثلون الاغلبية المريحة.
وبالمناسبة بالرغم من مضي اكثر من 10 سنوات على حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا، فإن الحزب لم يدفع بأي امرأة محجبة من عضواته الى عضوية البرلمان، على الرغم من المئات من عضوات الحزب محجبات، وفضل ان يدفع بغير المحجبات من عضواته الى البرلمان، ويعتزم ان يدفع بنساء محجبات مع اعضائه في الانتخابات البرلمانية القادمة في 2015.
حكمة بالغة الأهمية في إدارة الصراع مع القوى المتحكمة في المجتمع، وفي نفس الوقت كسب ثقة الشعب، فقد استطاع حزب العدالة ان يقوم ب " ثورة هادئة "، ويقلم " اظافر " الجيش والقضاء بالديمقراطية والقانون بكل هدوء، مستمدا قوته وصلاحيته من الشعب، عبر اللجوء اليه في كثير من الفترات، عبر صناديق الاقتراع والاستفتاء العام.
10 سنوات هي مدة زمنية قليلة في عمر الدول وان كانت هي طويلة في عمر الافراد، إلا أن حزب العدالة انجز فيها ما عجزت عنه الاحزاب الحاكمة مجتمعة في تاريخ تركيا، على الرغم منه انه جاء الى الحكم في مرحلة صعبة، وظروف معقدة، الا انه استطاع ان يقود دفة "المركب " الى شاطئ الامان، بعد أن نجح داخليا، وأعاد لتركيا دورها الخارجي، إقليمياً ودولياً.
_____
"وان منت".. او "دقيقة واحدة".. كلمتان استوقف بهما رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في منتدى دافوس في 29 يناير 2009، وانتزع بهما وقتا في الجلسة الخاصة لبحث الاوضاع في قطاع غزة، للرد على الادعاءات التي اثارها الرئيس الاسرائيلي بيريز..، كانت ال "وان منت" هي اللحظة الفارقة في العلاقات العربية التركية، فقد كانت "غضبة" اردوغان، انتصارا لغزة، ضد العدوان الاسرائيلي الذي تعرضت له في نهاية 2008 وبداية 2009، شكلت حضورا كبيرا له في المشهد العربي الشعبي قبل السياسي.
لم يتردد اردوغان في توجيه نقد لاذع لبيريز الذي كان جالسا بجواره على المنصة ومعهما امين عام الامم المتحدة بان كي مون، وامين عام الجامعة العربية آنذاك عمرو موسى، الذي لم يحرك ساكنا، قال اردوغان لبيريز بلغة حادة وصارمة "لقد قال لي اثنان من رؤساء الوزراء السابقين لبلدك "عندما ندخل فلسطين بالدبابة نشعر بسعادة وبأحسن حال"، ووجه كلامه للحضور بنبرة غاضبة "اوجه كلامي للذين هللوا وهتفوا قبل قليل -يقصد لكلمة بيريز عندما القاها قبله- التصفيق لقتل الاطفال ولقتل المدنيين في نظري يمثل في حد ذاته جريمة اخرى ضد الانسانية، يجب علينا الا نخفي الحقيقة".
كانت كلمات اردوغان "رصاصة" وجهت الى اسرائيل، وفي نفس الوقت مثل مرحلة جديدة في العلاقات التركية العربية، كان بطلها رئيس الوزراء اردوغان، الذي حسب قول احد المفكرين الاتراك ان العالم العربي يعرف تركيا من خلال اردوغان.
هذا الموقف مثّل اوج العلاقات بين الطرفين، وان كان العرب والاتراك بدآ في التقارب بعد قطيعة دامت اكثر من 80 عاما، مع بداية الحرب على العراق، عندما رفضت تركيا ان تكون طرفا في الحرب ان تسمح للولايات المتحدة الامريكية باستخدام اراضيها لاحتلال العراق، ثم تطورت العلاقات لاحقا مع العدوان الاسرائيلي على لبنان 2006، فكان لانقرة موقف رافض للحرب ومؤيد للبنان، وفي مسار مواز كان الاهتمام بالقضية الفلسطينية يتزايد من قبل حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، فكان ان تم استقبال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عام 2008، وكان هو الشخصية الوحيدة التي لا تمثل دولة يتم استقبالها رسميا، مما اعطى مؤشرا آخر على التحوّل الذي تشهده السياسة التركية، والتغيير في التعامل مع القضايا العربية، واعادة الاهتمام بالعالم العربي، ثم كان الموقف في منتدى دافوس 2009، وما تلا ذلك من اعتداء اسرائيلي على سفينة مرمرة التركية في 31 مايو 2010، واستشهاد 9 مواطنين اتراك، والتي كانت متجهة الى كسر الحصار على غزة، فكان ان قامت البحرية الاسرائيلية بمهاجمتها في المياه الدولية، فلم تتردد تركيا في اتخاذ مواقف اكثر حزما عندما سحبت سفيرها من تل ابيب، وطلبت من السفير الاسرائيلي مغادرة انقرة، وتقديم اعتذار مع تعويض اسر الضحايا وانهاء الحصار المفروض على غزة.
وامام اصرار تركيا على مطالبها، وعدم التزحزح عن مواقفها، اضطرت اسرائيل مؤخراً الى تقديم اعتذار مكتوب، وهو ما يحدث لاول مرة ان تقوم اسرائيل بتقديم اعتذار على عدوان اقدمت عليه، ووافقت على تقديم تعويضات لاسر الضحايا، وتصر القيادة التركية على قضية انهاء الحصار عن غزة، التي يعتزم اردوغان زيارة القطاع بنهاية الشهر الحالي.
طبعاً بعد معركة دافوس التي خاضها اردوغان وكسبها بنجاح فائق ليس فقط في العالم العربي، انما ايضا في الداخل التركي، حيث استقبل استقبال الابطال عندما عائد من منتدى دافوس، حيث كان الآلاف في استقباله في المطار وفي الشوارع، فتحول الى زعيم جديد، وظاهرة غير مألوفة في المشهد التركي.
*خطوات عملية في التقارب
لم تكتف تركيا ب"مغازلة" العالم العربي اعلامياً، انما اتخذت خطوات عملية في التقارب بينها وبين العالم العربي، الذي لم يبد نفس الاندفاع نحو التقارب معها، خاصة قبل الربيع العربي، عندما كانت بعض الانظمة تتخوف من الدور التركي، فلم تبادل الاهتمام التركي باهتمام مماثل، فيما ارتفعت وتيرة الاهتمام العربي بعد ثورات الربيع العربي.
من بين الخطوات العملية التي قامت بها تركيا، قيام اردوغان خلال السنوات العشر الماضية بزيارات الى 88 دولة، منها 51 دولة في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يمثل نحو 58 %، وتعد هذه اكثر زيارات قام بها رئيس حكومة تركية منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923.
جمال الدين هاشمي أحد مسؤولي الإعلام برئاسة مجلس الوزراء يقول "علاقاتنا ليست جديدة انما استعادة الذاكرة "، ويضيف "في السابق كان تعلم اللغة العربية جريمة، من يتقدم لشغل وظيفة ينفي تماماً معرفته باللغة العربية، اعلامنا لا يرسل أي مندوب للعالم العربي.. اخبارنا نستقيها من الغرب.. في حرب العراق الاولى كان مصدر اخبارنا واشنطن.. قبل 15 سنة لم نكن نستطيع عقد لقاءات مع العرب كما هو الحال اليوم.. وان كانت هناك استثناءات في فترة رئاسة اربكان وتورغوت اوزال.. "، واصفاً المرحلة الحالية في العلاقات مع العرب بأنها "عودة الدولة الى طبيعتها.. الى الدور الذي يفترض ان نكون عليه.. ".
ويضيف "لقد صمتنا نحن والعرب 100 عام، وعندما بدأنا الحديث ساد الحماس الكبير هذه العودة، حققنا بعض التوقعات التي كنا نتأملها، وحدثت بعض خيبات الامل، لكننا الاهم اننا بدأنا نؤسس لغة مشتركة فيما بيننا ".
*كوادر مطلوبة
وفي نفس السياق يشير المدير العام للمديرية العامة للصحافة والنشر والاعلام مراد قرا قايا إلى ان هناك رغبة شديدة في استقطاب الكوادر التي تجيد اللغة العربية في رئاسة مجلس الوزراء وفي الوزارات والمؤسسات الاخرى، وقال "يوميا نعقد اختبارات للمتقدمين بطلب وظائف لمن لديهم اتقان للغة العربية، فنحن بحاجة ماسة الى مثل هذه الكوادر المطلوبة حالياً في اكثر من مكان، في ظل تنامي العلاقات الاخوية بين تركيا والعالم العربي".
*وكالة الأناضول
وترجمة فعلية لحرص القيادة التركية على ايجاد لغة للتواصل مع العالم العربي، اقدمت على افتتاح قسم للبث العربي في وكالة انباء الاناضول، التي تعتبر اقدم وكالة انباء، بل إنها تأسست قبل قيام الجمهورية التركية، حيث أشهرت في عام 1920، أي قبل قيام الجمهورية بثلاث سنوات.
يقول المدير العام ورئيس التحرير بوكالة الاناضول للانباء كمال اوزتورك "نقوم من اكثر من عام ببث الاخبار العربية من مراسلينا في العواصم العربية مباشرة، دون الحاجة الى وسيط اجنبي حسب تعبيره لكي ينقل اخبارنا الى العرب، وينقل اخبار العرب الينا".
ويضيف "نبث في المتوسط 200 خبر عربي وهو اعلى من وكالة رويترز، ونهدف بنهاية العام الى الوصول الى 250 خبراً، بعدما نقوم ببث الاخبار الاقتصادية والرياضية، كما نقوم بارسال نحو 1200 صورة فوتوغرافية، وما بين 150 و 200 فيديو".
واشار الى ان لديهم مكاتب كبرى في عدد من العواصم العربية، كما هو الحال في القاهرة، التي تتميز الوكالة باخبار نوعية، اضافة الى مراسلين في العواصم العربية ينقلون الاخبار والتطورات لحظة بلحظة، موضحاً ان وكالة الاناضول تبث حالياً بخمس لغات، وتعتزم العام المقبل التوسع لتصل الى البث ب 8 لغات.
واستشهد اوزتورك بالتعاون مع جريدة " الشرق " التي تقوم بنشر تقارير مستمرة، وصفحات منوعة عن تركيا، معتبرا ان مثل هذه الخطوة تمثل عملا لم يكن بالامكان القيام به في مراحل سابقة قبل عقد من الزمن.
*فضائية عربية
وفي المسعى الاعلامي نفسه، اقدمت الحكومة التركية على افتتاح فضائية تبث باللغة العربية، وهي بادرة نوعية، تهدف لتوطيد العلاقة مع العالم العربي، وتسليط الاضواء على العلاقات التاريخية والثقافية والاجتماعية والفكرية.. المشتركة بين الجانبين، حيث تضم القناة كوادر عربية مؤهلة لاعداد وتقديم البرامج النوعية التي تخاطب الجمهور في العالم العربي، وفي نفس الوقت تستضيف في حوارات ولقاءات مختلفة مفكرين واعلاميين وسياسيين عربا للاطلالة على المشاهد التركي
ويعول الاتراك كثيرا على افتتاح الجزيرة التركية، التي سبق ان تم الاعلان عنها، والتي يعتبرون ان اطلاقها سيكون فتحا اعلاميا كبيرا بالنسبة للطرفين التركي والعربي، وستعزز من العلاقات بين الجانبين، خاصة في ظل المصداقية التي تتميز بها الجزيرة، والمهنية العالية التي تنتهجها كسياسة تحريرية في تعاملها مع الاحداث.
وفي اكثر من مرة كان التساؤل عن موعد افتتاح الجزيرة التركية، التي تعقدون عليها آمالا عريضة.
*ملتقيات متنوعة
وليس بعيدا عن مثل هذه الخطوات، فان تركيا بادرت في اطار انفتاحها على العالم العربي بتأسيس العديد من الملتقيات والمنتديات، سواء كان ذلك في مجال الاعلام او العلاقات الاجتماعية، فهناك ملتقى اعلام التركي العربي، الذي عقد في اسطنبول، وتسعى تركيا الى تنقله بين العواصم العربية حتى تتوسع دائرة التعاون الاعلامي بين العالم العربي وتركيا.
كما ان هناك مؤتمرات وملتقيات سياسية واجتماعية وفكرية.. تنظمها مؤسسات رسمية او مراكز بحثية، اضافة الى الدعوات والاستضافات للعديد من الشخصيات العربية في انقرة واسطنبول، بهدف تعزيز التواصل مع العالم العربي بقطاعات المختلفة.
*وكالة التعاون والتنسيق
وواصلت تركيا اهتمامها بالتواصل مع العالم العربي عبر مؤسسة خدمية تتولى تنفيذ واقامة مشاريع انسانية في القطاعات المختلفة، وهي وكالة التعاون والتنسيق التركية.
يقول سردار جم رئيس الوكالة " لدينا 35 مكتبا في 31 دولة، ومشاريع في 110 دول، وفي عام 2012 وحده نفذنا 1630 مشروعا "، هدفنا ترسيخ التعاون، مشيرا الى ان العامين الاخيرين تم تطوير مشاريع تجاه دول الربيع العربي، اضافة الى غزة التي تم تنفيذ مشاريع مختلفة، آخرها مستشفى بكلفة 60 مليون دولار، وتجهيز مستشفى آخر في طوباس بالضفة الغربية، وتقديم الدعم لمستشفى ثالث بالخليل.
ونوه في هذا الصدد بالتعاون مع دولة قطر في دارفور، مشيرا الى ان وكالته تعتز بهذا التعاون الذي يهدف الى تطوير دارفور، وتوفير خدمات انسانية لمواطنيها، وانهم مستعدون لمزيد من التعاون والتنسيق بين الجانبين.
كما اشار الى مشاريع اخرى تنفذ في الصومال، منوها في هذا الصدد بزيارة قام بها اردوغان الى الصومال في عام 2011، وتم اطلاق حملة شعبية من اجل الصومال.
واشار الى ان مساعداتهم تعتمد على الاحداث التي تتعرض لها المناطق، ففي 2006 عندما تعرض لبنان الى العدوان الاسرائيلي، اتجهنا صوب لبنان وقدمنا له المساعدات، وعندما جاء الربيع العربي كانت لنا مبادرات نحو توفير مساعدات انسانية وتدريب للدول التي شهدت الثورات، بهدف تطوير بنى المجتمع.
*بناء الجسور
يؤكد المسؤولون الاتراك انهم يسعون الى بناء الجسور مع العالم العربي، بعد ان تم هدم الجدران القائمة بين الطرفين طوال ال " 80 " عاما الماضية، وانهم ماضون في سبيل تعزيز هذه الجسور، ويعتمدون في سبيل ذلك اضافة الى التواصل الرسمي الدبلوماسية الشعبية، للتواصل مع الشعوب العربية والشعب التركي، ودعم مبادرات المجتمع المدني، الذي يؤكدون اهمية تقويته حتى يقوم بالادوار التي تعزز من اعادة الروح للعلاقات التركية العربية، التي يرون انها تعيش مرحلة الانفتاح على الآخر، وتلمس الطريق للمضي قدما يدا بيد.
______
يشعرك المسؤولون الاتراك ومن دونهم عند لقائك بهم بأنهم قد عثروا على شقيق فقدوه منذ عقود من الزمن، فيستقبلونك بحفاوة، ويتحدثون معك بلغة الاخوة والدين والتاريخ، وكيف تعايش الطرفان لقرون من الزمن معا، وصنعا حضارة وتاريخا مشتركا لا يزال حاضرا في العالم.
يشعرك الجميع في تركيا برغبة حقيقية بالانفتاح على العالم العربي، والسير قدما نحو ايجاد آليات فعلية لخطوات التكامل بين الجانبين، وهو ما يفسر عشرات الملتقيات والمؤتمرات التي يقيمونها في أنقرا واسطنبول، والزيارات المتلاحقة للمسؤولين الاتراك الى العالم العربي، ومحاولة الحضور في المشهد العربي ليس فقط عبر المشهد السياسي، انما من خلال الدبلوماسية الشعبية، او مؤسسات المجتمع المدني، او عبر تقديم الدعم والمساندة ومشاريع التطوير والتدريب للقطاعات المختلفة، خاصة ما تقوم به وكالة التعاون والتنسيق التركية من مشاريع متعددة..
نائب رئيس الوزراء والناطق الرسمي باسم الحكومة بولنت ارينج الذي التقانا في مقر مجلس الوزراء بحفاوة كبيرة، وخصوصية تامة، عندما سمح في بداية الامر بحضور الزملاء الصحفيين الاتراك للاجابة على اسئلتهم الخاصة بالشؤون المحلية الدقيقة، ثم اختصر لقاءه بالشخصيات الاعلامية العربية، متحدثا معهم بشفافية تامة، والاجمل انه اختتم لقاءه بالدعاء، ثم رفع يده وقرأ "الفاتحة".
هذا التوجه هو الذي دفع بتضمين المناهج التعليمية في المدارس اللغة العربية كمقرر اختياري امام الطلبة، وهو امر كان غير متاح بالطبع في الحكومات السابقة، التي كانت تقصي من يجيد الحديث باللغة العربية، وليس بوضع مقررات لتعليم اللغة العربية في المدارس.
لسنا قلقين
ارينج السياسي المحنك والقادم من الحركة الوطنية التي اسسها الزعيم التركي الراحل اربكان لا يبدي اي قلق على مستقبل الحزب الحاكم، بل يؤكد انه في الانتخابات القادمة في 2015 سوف يفوز حزب العدالة والتنمية، وهي ثقة مطلقة يتحدث عنها، بل ولا يبدي اي قلق على ذهاب القيادة الحالية سواء لرئيس الوزراء رجب طيب اردوغان او القيادات العليا ومن يتولون مناصب وزارية من حزب العدالة، ويقول " اذا شعرنا بضعف ادائنا سوف نترك المكان، ونذهب للقيام باعمال اخرى.. سوف نترك المجال للكوادر الشابة.. سوف نسلم القيادة لجيل الشباب.. لدينا كوادر مؤهلة من الشباب تسطيع الاداء بكفاءة عالية.. في وضعنا الحالي نستطيع اليوم تشكيل 10 حكومات في آن واحد، وبنفس الكفاءة.. حزبنا حزب مؤسساتي ولا يعتمد على شخص واحد.. صحيح حكمنا يعرف باسم اردوغان في الاوساط العربية والاسلامية، لكننا ندير عملا مؤسسيا".
بولنت ارينج الذي يتوقع أن يكون في منتصف الستينات من العمر مفعم بالحيوية، ومبتسم، ولا ينفي عن نفسه التدين، ويقول أنا إنسان متدين، ولدينا علاقة قوية مع قيمنا، وهذا الشيء قبله المجتمع، لكنه يؤكد ان علاقات بلاده غير مقتصرة على العرب او المسلمين، انما تركيا منفتحة على غيرهم في الشرق الاوسط والعالم، وان كان يصف تركيا بالعرب بالقول " اتينا من تاريخ وقيم مشتركة وفي نفس الجغرافيا " ويضيف " نحن والعرب كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى".
لا احب القذافي. لكني حزين لمصيره
هذا المخضرم بولنت مضى عليه بالعمل السياسي اكثر من 20 عاما، وسبق له ان تولى رئاسة البرلمان، ويقول انه زار جميع الدول العربية، وعلى الرغم من قوله انه لا يحب القذافي، الا انه حزين للنهاية التي قضى بها القذافي حياته.
في سوريا والقول لارينج لوحة مختلفة من القتل "الاسد الاب استخدم القوة المسلحة والجبروت.. بشار الاسد الابن يستخدم القوة العسكرية.. سوريا انتقلت من قاتل كبير الى قاتل صغير "، وصف حقيقي لما يدور في سوريا في الماضي والحاضر، اطلقه هذا السياسي "المتدين".
يقول ارينج عن بشار الاسد "التقيت بشار.. كانت علاقتنا به جيدة.. قلنا له اعمل دستورا جديدا.. واجر انتخابات حقيقية.. واقترحنا عليه طريقة للتخلي عن استخدام السلاح.. قال لنا موافق لكنه لم يلتزم بذلك.. ثم قطعنا علاقاتنا به، نحن اليوم ندعم المعارضة السورية".
ويعلق على الربيع العربي بالقول " عشنا مرحلة في العالم العربي لم تكن الأنظمة في عدد من الدول مترابطة مع شعوبها، ولم تعترف بأحقية شعوبها في إدارة نفسها.. كانت للشعوب مطالب ديمقراطية محقة.. كنت اتمنى ألا يتم مقابلة ذلك بالعنف والسلاح كما حصل.. كنت اتمنى لو حدثت مرحلة انتقالية بدلا من الدخول في القتل والدم.. مرحلة انتقالية تتمثل بتغيير الدستور.. تشكيل أحزاب.. السماح بأمور مشروعة للشعوب.. لكن للأسف تم استخدام القوة والعنف والسلاح.. وهذا لا يفيد ولا ينجح.. كنت أتمنى أخذ العبرة.. لكن لم يحدث".
العلاقة مع إسرائيل
وعندما يتحدث عن اسرائيل وعلاقة تركيا بها، يتحدث من منطلق القوة، وعدم مهادنة اسرائيل، "ظلت اسرائيل تمتنع عن الاعتذار لنا لمدة 3 سنوات على امل ان نتراجع عن موقفنا، لكننا لم نفعل، ولن نفعل "، ويضيف "اعتذرت اسرائيل لنا عن القرصنة التي اقدمت عليها تجاه سفينة مرمرة التركية في مايو 2010 في المياه الدولية، وليس هذا فحسب، بل نحن مصرون على دفع التعويضات كاملة لاسر ضحايا العدوان الاسرائيلي، ورفع الحصار عن غزة ".
هذا الموقف التركي يستحق التقدير، ويفرض على الاخرين النظر اليه باحترام، يقول ارينج " اقترحت اسرائيل طوال السنوات الثلاث الماضية كلمات اخرى غير الاعتذار، فرفضنا ذلك، فلم يكن امامهم إلا تقديم اعتذار شفهي ثم اعتذار مكتوب، وهو ما تم بالفعل قبل نحو شهر ونصف الشهر، واكدت اسرائيل على انها سوف تدفع تعويضات، وبالفعل يتم حاليا عبر هيئة قانونية النظر في التعويضات، الا ان اردوغان اكد على ان الشرط الثالث هو الاهم والمتمثل برفع الحصار عن غزة، وان تكون هناك خطوات عملية، وسوف يقوم اردوغان قريبا بزيارة الى غزة.. تطبيع العلاقات مع اسرائيل مرتبط بالشرط الثالث".
خطط واستراتيجيات عمل
قد يتصور البعض ان نجاحات تركيا اتت ب "البركة"، أو أنها صناعة شخص واحد، وهو أمر غير حقيقي، ورؤية غير دقيقة، لما تشهده تركيا من حراك جماعي ومنظم، يستنهض جميع قوى المجتمع، ويشرك كل فئاته دون تحفظ او خوف، ويمنح الجميع مساحات من التحرك والحرية من اجل العيش المشترك بسلام، وهو ما تحقق بالفعل خلال السنوات العشر الماضية.
د.بشير اتالاي نائب رئيس مجلس الوزراء، بروفيسور متخصص في علم الاجتماع، قادم من حضن الجامعات، دخل معترك السياسة مع تولي حزب العدالة الحكم في 2002، يتولى في الغالب الملفات الاجتماعية، ونجح في "حلحلة" العديد من القضايا الاجتماعية وحلها، يقول هذا القادم من حرم الجامعات عن التغيير الحاصل في تركيا، وكيف حصل في هذا الوقت القصير " ركزنا في نهضتنا على الدراسات والاستراتيجيات في رسم مستقبل الدولة والحكومة.. انتهجنا سياسة مبنية على الاستراتيجيات والخطط.. كانت أولويتنا التواصل مع الشعب.. شهريا نجري استطلاعات للرأي لجس نبض الشارع.. نحلل هذه الدراسات ونتوقف عند كل النسب التي نتوصل إليها".
نعم حزبنا محافظ
ولا يخفي اتالاي هوية حزبه فيقول "نحن حزب ديمقراطي محافظ، نولي اهمية لقيمنا الوطنية المحلية بما فيها الدينية.. ونسعى لجعل المجتمع التركي مجتمعا منفتحا ويعيش ثقافة العيش المشترك في جو ديمقراطي".
اذن هي رؤية واضحة في كيفية بناء الدولة، والتفاعل مع المجتمع، وتعميق العلاقة معه، وهو ما مكنهم من تحقيق انتصارات ربما لم يحققها حزب تركي في تاريخ تركيا الحديث، حيث ازدياد في الشعبية مضطردة، فما بين 2002 عندما فاز في الانتخابات كانت نسبة الاصوات التي حصل عليها 37 %، فيما الجولة الثالثة في 2011 حقق 50.4 %، واليوم حسب استطلاعات الرأي فانه اذا تم اجراء انتخابات فان حزب العدالة سوف يحصل على نسبة لا تقل عن 52 %.
تركيا عاشت ثورة، لكنها ثورة هادئة كما يصفها اتالاي، ويضيف " خلال ال 11 عاما الماضية من حكم حزب العدالة قمنا بثورة لكنها هادئة.. اقدمنا على خطوات ديمقراطية وتحول كبير.. ثورة اخذت دعما شعبيا".
قبل عدة اشهر قامت الحكومة التركية بتشكيل لجنة باسم "لجنة الحكماء"، تتولى بالدرجة الاولى حل الارهاب والمشكلة الكردية، يتولى د. بشير اتالاي رئاستها، وتضم شخصيات مدنية ورؤساء منظمات المجتمع المدني ورؤساء اتحاد الغرف والبورصات والنقابات والفنانين والصحفيين وهيئات التدريس.. تضم تمثيلا لكل اطياف المجتمع، ويبلغ عدد اعضائها 63 عضوا، وتقوم بلعب دور الجسر، وتشرح وجهات النظر لكيفية التعاطي مع الارهاب الذي يضرب احيانا عبر عمليات تفجير مناطق متفرقة، وكذلك كيفية حل المشكلة الكردية، هذه اللجنة استطاعت ان تلعب أدوارا ايجابية، وتكتسب أرضية من خلال التواصل عبر تشكيل لجان فرعية في كل المناطق باستقلالية تامة، تقوم بتنفيذ برامج وفعاليات لشرح وجهة نظرها حيال هذا الملف المتشابك.
هذه الخطوة اكسبت حزب العدالة المزيد من الشعبية في صفوف المجتمع، وشكلت له أذرعا في الوصول الى شرائح المجتمع المختلفة.
عالجنا كل التخوفات
لم يخف د. اتالاي التخوف الذي ضرب المجتمع التركي في بداية وصول حزب العدالة للحكم عام 2002، يقول " كان هناك نوع من مشاعر القلق في المجتمع، وكان لابد من ازالتها.. الاوساط العلمانية كانت قلقة من وصولنا الى الحكم.. لكننا استطعنا ان نؤكد للجميع اننا نسعى للعيش المشترك بحرية.. يجب الا نخاف من الحرية في ان يعيش الجميع فيما يراه مناسبا.. ندعو دائما الى منح الشعوب المزيد من الحرية وافساح المجال امامها للتعبير عن آرائها.. يجيء الاعتماد على المجتمع.. ما نحمل من افكار نطرحها امام الجميع لكي نناقشها بكل حرية.. منذ اللحظة الاولى قررنا الا نكون حزبا يمثل رأيا واحدا او فكرا واحدا.. قررنا ان نكون حزبا يقدم الخدمات للمجتمع.. لذلك نجحنا ".
عندما قلت له هذا التخوف لم يكون محصورا داخل تركيا فحسب، بل ان العالم العربي متخوف من تركيا الجديدة.. فهل استطعتم ازالة هذا التخوف كما فعلتم في الداخل؟.
ابتسم وهو ينظر الي " اعرف اننا ازلنا التخوف في الداخل التركي، لكن في العالم العربي لا اعرف "، وتابع " اصدقكم القول.. نعم كان هناك تخوف في العالم العربي من حزب العدالة، كما كان هذا التخوف في الداخل، وقد استطعنا من خلال خطوات عملية ان نزيلها، ولكن لا اعلم ان كانت الاوساط العربية لازالت تتخوف منا.. نحن نسعى جاهدين للتقارب مع العالم العربي.. نهتم كثيرا بالاخوة والتواصل في مختلف المجالات.. المنطقة العربية والاسلامية هي ساحتنا نسعى لتفعيلها.".
لا عثمانية جديدة
يؤكد المسؤولون الاتراك ان سياستهم تنطلق من مبادئ اساسية تقوم عليها السياسة التركية الخارجية، وترتكز على اربع ركائز رئيسية تتمثل في:
الحوار السياسي، والتكامل السياسي والاقتصادي بالمنطقة، والامن المشترك للجميع، وترسيخ ثقافة العيش المشترك بين الفئات المختلفة.
لم تكن علاقات تركيا على ما يرام مع الانظمة العربية السابقة، الا انها الان افضل بكثير مما كانت عليه في السابق، وتحديدا مع دول الربيع العربي، التي قدمت تركيا الدعم لها لتجاوز هذه المرحلة التي تمر بها.
ويستغرب الاتراك كثيرا من طرح مصطلح "العثمانية الجديدة " الذي تحاول بعض الاطراف اثارته مع التقارب التركي العربي، ويتساءلون: لماذا لا احد يتهم الفرنسيين مثلا في حراكهم وتوجهم للشرق الاوسط برغبتهم في احياء "النابرتية"؟ لماذا فقط يثار ذلك فقط مع تركيا.
ويؤكدون خلال لقاءاتنا ليس فقط مع المسؤولين انما حتى مع التنفيذيين والشخصيات الفكرية انه "لا نية ولا توجه لدينا لاحياء العثمانية"، لكنهم من جهة اخرى لا ينفون تاريخهم او يرمونه خلف ظهورهم "هذا لا يعني اننا لا نحب تاريخنا او لا نحب العثمانيين.. هناك نقاط عديدة يمكن الاستفادة منها في تاريخ العثمانية".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.