تحدث المفكر الاسلامي الشيخ سلمان العودة عن الراحل غازي القصيبي بفروسية وعاطفة وحب، وجعل قضية الخلاف بينه وبين الشاعر غازي القصيبي ذكرى جميلة، وتجربة ثرية، وسبباً لعلاقة وطيدة لاحقاً، وأوجد لنفسه والقصيبي العذر، في ذلك الخلاف الذي مضى، وجعل قصته مع القصيبي موضوعاً لقضية التغيير التي يوليها اهتماماً خاصاً في برنامجه اليومي على قناة «أم بي سي». وهو أشار في حلقة سابقة الى أن «البقاء الآن للأكثر قدرةً على التغيير». لا شك في ان الشيخ سلمان العودة اكثرنا قدرة على التغيير، وممارسة الوعي، والمضي الى أمام. وكنت شاهداً على تلك المرحلة التي شهدت خلافه الحاد مع الراحل غازي القصيبي، وتعرض لها العودة في برنامجه بموضوعية وأمانة وثقة. التقيت الشيخ سلمان للمرة الأولى العام 1988 في منزله المتواضع في مدينة بريدة، والتقيته للمرة الثانية قي منزله الانيق في مدينة الرياض العام 2010. كان الفاصل 22 سنة. في المرة الأولى وجدت رجلاً يمارس زهداً صوفياً، وقسوة على نفسه واطفاله وأهل بيته، رافضاً لكل شيء، ويبحث عن حواجز يضعها أمام الأمل. وفي الثانية وجدت إنساناً يوازن بين اليوم والدهر، ورب أسرة مثالياً، وخازناً لأبواب الأمل والتفاؤل، وايجابية الرؤية والتفكير. لكن الذي لم يتغير في سلمان العودة هو الصدق في الحالين، والاخلاص للمرحلة التي يعيشها. حين خف طوفان سبعينات القرن العشرين، وهدأ ضجيج صحوتها، خرج سلمان من سجنها. تلفّت الداعية الشاب حوله. حزت في نفسه كآبة التفكير، وضيق الأفق. صعد الى قمة شاهقة لرؤية المشهد. جلس يتأمل. وسرعان ما سلك طريقاً مختلفاً، استبدل الهدوء بالضجيج، والقراءة بالاستماع، والتسامح بالعداء، فصار مفكر الدعاة، وداعية المفكرين، وجعل قضيته مشروعاً يتطور مع الوقت ويكبر، ويحدِث التغيير الى الأفضل. الأكيد أن رحلة سلمان العودة تبعث على التفاؤل. هو يطرح اليوم رؤية تفسِح الطريق وتنير البصائر، وتمنح الشباب فسحة للأمل، فضلاً عن ان الشيخ سلمان يتعامل مع دوره بجدية قلّ مثيلها اليوم. يحضّر نفسه قبل لقاء الناس مثل طالب يخوض امتحاناً، وفي كل مرة يظهر على الشاشة يتصرف كشاعر يخط بيت القصيد.