يعجز القلم عن وصف المشاعر الروحانية التي تنتاب الإنسان وهو في حضرة خالقه وفي بيته الحرام، وأمام الكعبة المشرّفة، وهذه الجموع الغفيرة تطوف حول الكعبة أو تسعى بين الصفا والمروة، ما بين باكٍ ندمًا على ذنب ارتكبه نتيجة غواية الشيطان والانسياق وراء نزوات النفس الأمّارة بالسوء، وآخر مشرق الوجه، تكاد السعادة تطفر من عينيه؛ لأن الله بلغه مراده، ويسّر له عمرته، فدعا ربه أن يتقبّل منه صالح الأعمال، وهو الكريم المستجيب لدعوة الداعي إذا دعاه، وثالث لا تبدو على ملامحه سوى مشاعر محايدة، وكأنه يحفظ سرًا بينه وبين ربه، وما أكثر أسرار العبد عند خالقه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وآخرون كثيرون يحملون من هموم الدنيا ما لا يعلم به إلا الله، وما بين هذا وذاك لا بد أن تلفت نظر المعتمر أو الحاج هذه العمارة الضخمة للمسجد الحرام، وهذه التوسعة الكبيرة التي تجري فيه الآن، لإضافة مسارات جديدة للطواف حول الكعبة المشرّفة تحاشيًا للازدحام الشديد الذي يشهده الحرم المكي، وما زال العمل يتواصل ليل نهار لإنجاز أكبر توسعة في تاريخ المسجد الحرام. على المواطنين التقليل من الانسياق وراء رغبتهم لتكرار الحج، بل هم مطالبون بترك هذا التكرار في كل عام، وهم في هذا العام مطالبون أكثر بأن يتخلوا عن رغباتهم الجامحة في تكرار الحج، وهذه مسؤولية دينية ووطنية، كما أن ذلك يُعدّ إسهامًا مباشرًا منهم في خدمة إخوانهم المسلمين من حجاج الخارج، وتيسير وتسهيل أدائهم لفريضة الحج وتوسعة الحرمين الشريفين في مكةالمكرمةوالمدينةالمنورة من الأعمال الجليلة التي لا يمكن لمن لم يشاهدها أن يتصوّر ضخامتها، وهذا الإعجاز العمراني الكبير إنما تقوم به دولتنا الرشيدة لخدمة المسلمين وتيسير الحج والعمرة والزيارة لمن يريد من المسلمين، وهذا خير رد على أقوال المشككين من أعداء الأمة الذين وإن لبسوا ثوب الإسلام، فإنهم تجاهلوا حقيقته، وانصرفوا إلى بث سمومهم بين أبنائه، والكيد للبلاد الإسلامية، وإشاعة الفتنة في ربوعها لإضغاف الأمة، والرجوع بها إلى الخلف، وما تبذله هذه البلاد بفضل الله، وفي جميع المجالات، إنما هدفه خدمة الإسلام والمسلمين، وضمان حسن وفاتدتهم، وتيسير أمورهم حين القدوم للأماكن المقدسة، في مكةالمكرمةوالمدينةالمنورة، ومن الطبَعي وأعمال التوسعة قائمة على قدم وساق، في الحرمين الشريفين.. أن تطلب الدولة «رعاها الله» من الدول الإسلامية أن تخفف عدد حجاجها لهذا العام، وهو إجراء مؤقت اقتضته ظروف العمل في التوسعة الجديدة للحرمين الشريفين، وأقرّه علماء الأمة، وهو أمر ما أجدر حجاج الداخل أن يتقيّدوا به، فكثيرون يحرصون على أداء الحج كل عام، حتى أولئك الذين يعرفون أن في هذا مخالفة نظامية، وأن الحج مرة واحدة، لمن استطاع إليه سبيلا، لكن بعض حجاج الداخل يرفضون التسليم للواقع، ولا يتيحون الفرصة لغيرهم من عباد الله ممن لم يسبق لهم الحج، حيث يزاحمون غيرهم عن غير قصد، ويتسببون في زيادة صعوبة الحج وكثرة الازدحام في أداء المناسك، وفي هذا العام، وحتى تنتهي أعمال التوسعة الجديدة.. على المواطنين التقليل من الانسياق وراء رغبتهم لتكرار الحج، بل هم مطالبون بترك هذا التكرار في كل عام، وهم في هذا العام مطالبون أكثر بأن يتخلوا عن رغباتهم الجامحة في تكرار الحج، وهذه مسؤولية دينية ووطنية، كما أن ذلك يُعدّ إسهامًا مباشرًا منهم في خدمة إخوانهم المسلمين من حجاج الخارج، وتيسير وتسهيل أدائهم لفريضة الحج، تقبّل الله من الجميع صالح أعمالهم. لقد شاهدت خلال الأيام القليلة الماضية التي قضيتها في مكةالمكرمة للعمرة، ضخامة حجم العمل الذي تقوم به الدولة، وقبلها بأسابيع كنتُ في المدينةالمنورة في ضيافة ناديها الأدبي، وشاهدت أيضًا أعمال التوسعة في المسجد النبوي الشريف، وهي منجزات أشبة بالمعجزات، وليس مَن سمع كمن رأى، ومهما قيل عنها من الثناء والإشادة، فإن ذلك لن يفيها حقها، وهي إحدى النعم التي أفاضها الله على هذه البلاد وقيادتها وأهلها. لخدمة ضيوف الرحمن، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وبالشكر تدوم النعم.