«أحب كرة القدم أكثر من الحياة». تذكرت هذا القول المشهور لأسطورة كرة القدم الهنجاري، بوشكاش وأنا أشاهد دموع اللاعب الهلالي نواف العابد على خط الملعب الذي أقيمت عليه مباراة بطولة السوبر بين فريق الهلال وفريق النصر والتي كسبها الهلال بنتيجة مستحقة 1-0 بعد مباراة جميلة قدمها الفريقان. أقول مستحقة بشهادة بشار، ابني النصراوي المتشدد الذي بعث إلي بعد نهاية المباراة بثوان رسالة نصية تقول «أنا لا اقول مبروك إلا إذا الهلال يستاهل... اليوم مبروك». هو يعرف أنني هلالي منذ ثلاثة وخمسين عاماً، ويعرف ويصدق أنني في السنوات العشر الأخيرة أشجع النصر عندما لايكون منافساً للهلال لأسباب لا تزال غير معروفة وغير مبررة لكلينا. كل ما نعرفه أنني أشجع ومنذ القدم مانشستر يونايتد لكنني الآن اشجع أيضا لفربول وارسنال وكنت أتمنى فوز اشبيليا على برشلونة في السوبر الأوروبي الأخير بالرغم من أنني برشلوني. تلك مواضيع خاصة. مباراة السوبر بين الهلال والنصر في لندن سبقتها بعض السجالات في الإعلام المحلي ووسائل الاتصال الاجتماعي. اليوم أكاد اجزم بأن قرار الاتحاد السعودي لكرة القدم، والذي جاء استجابة لاقتراح إدارة الناديين كان صحيحاً وموفقا. نواف العابد قال لمراسل القناة التلفزيونية الذي حاول التقليل من «فخامة الملعب» إن ارضية الملعب جديرة بأن يستفاد منها في بلادنا". وإذا كانت الأمور البنيوية اللوجستية تسهل ملاحظة الاستفادة منها، فإن الكثير مما شاهده ولمسه اعضاء البعثتين واللاعبون والسعوديون الذين حضروا المباراة بل وحتى المشاهدون أمام الشاشات، جدير بالتقدير والدراسة والتأمل. بساطة، البروتوكول والإعداد الجدير بمعاني الرياضة القائمة على معايير الفرح بالمناسبة دون تمييز بين خلق الله كان مشعاً، وأفرح من كانوا أمام الشاشات أكثر مما أفرح من كانوا على المدرجات. صورة جديدة وحضارية للسعوديين كأناس يتبعون القدوة الصالحة في المظهر والسلوك. "مباراة كبيرة عكست مستوى الكرة السعودية وشرفتنا في لندن. الانضباط الجماهيري على الرغم من أن المدرجات كانت قريبة من الملعب، منظر حضاري مشرف، والمناسبة نجحت بشكل عام" يقول الأمير عبدالرحمن بن مساعد الرئيس السابق للهلال: اللاعبون، وتحديداً المستجدين الشباب، كانوا يشعرون وهم يلعبون في الملعب الإنجليزي بأنهم يلعبون أمام كل الفرق والجماهير الإنجليزية والعابد لم يبك عبثاً. صحيح أن مواجهات الهلال والنصر تمثل في الغالب احتراماً متبادلاً بين اللاعبين من الفريقين بالرغم من الشحن الإعلامي والجماهيري، إلا أن مباراة السوبر اللندني وتصرف الإدارتين ستؤصل هذا النهج الذي لا بد أن يكون مرحباً به من طرف اللاعبين بعكس رغبات بعض الإعلاميين الرياضيين لسوء الحظ. الجدل الذي سيلي مباراة السوبر في الأوساط الرياضية السعودية لا بد أن يكون بعيدا عن التحكيم والمناكفات التقليدية البائسة - ولو انها ستكون حاضرةً لسوء الحظ - لكن محاصرتها ممكنة. كرة القدم والشغف بها واقع كوني يدرك تأثيره القادة السياسيون ومراكز التأثير الاجتماعي وقيادات المؤسسات المالية العملاقة وحتى مراكز البحوث العلمية. مجلة ليدو الأسبانية وبالتعاون مع جامعة برشلونة المستقلة، كرّست أربعة أعداد مع العديد من الباحثين للاستفادة من شغف كرة القدم في التخفيف من تبعات الإصابة بمرض الزهايمر وحققت التجارب نجاحات باهرة. المريض الذي لا يذكر حتى أولاده يتذكر تشكيلة ريال مدريد أو برشلونة ويعد بسعادة وحيوية كل الأحد عشر لاعباً في التشكيلة قبل اربعين عاماً. وإذا كانت الصورة السلبية لتأثير كرة القدم في المجتمعات "كمضيعة للوقت" لدينا، وكمحفز لتوالد المجرمين السفلة من مجموعات "الهوليجنز"، فإن ذلك لا يشكل سوى طفيليات ضارة بكتلة المجتمع المتجددة وقواه الواعية. يقول أحد العائدين مبكرا من لندن وهو كان ممن يفضل إقامة السوبر في الرياض، لكن شغفه دفعه للذهاب إلى هناك: كنت خاطئاً، كان لا بد من أن تقام المباراة هناك وفي لندن تحديداً. الكثير من السعوديين بل والخليجيين أعادوا اكتشاف أنفسهم وتصوراتهم عن سطوة التقاليد والعادات ومعنى الخصوصية المزعومة. هناك بدأت معالم الانخراط في طرق تفكير جديدة. يبالغ صاحبي! ربما.