أذْكُر كيف اعتادت جوجل على ادعاء النفور من التصرف بصورة شريرة، وذلك حين كانت شركة الإنترنت الجديدة القادمة؟ حسنا، إن «شراكة الأخبار الرقمية» التي أعلنت عنها مع ثمانية ناشرين أوروبيين يوم الاثنين تعتبر شرا إلى حد كبير- على اعتبار أنها محاولة مكشوفة لشراء نفوذ سياسي. يخوض الناشرون الأوروبيون منذ فترة طويلة اشتباكا مع جوجل لأنها كانت تنشر معلوماتهم ذات الحقوق المحفوظة مجانا من خلال خدمة أخبار جوجل ومحرك بحثها. قامت الشركة الأمريكية بعمل جيد لمكافحتهم وصدهم بوسائل السوق: قطع المتذمرين عن أخبار جوجل ومؤشر البحث. في أكثر الأحيان، كانوا يزحفون للعودة مرة أخرى، متوسلين ليتم إعادتهم. لكن في الأسبوع الماضي، أخذت موازين القوى وكأنها تميل ضد جوجل، عندما قررت المفوضية الأوروبية إقامة قضية مكافحة الاحتكار ضدها بتهمة خنق المنافسة من خلال تعزيز خدمة مقارنة التسوق لديها. تبع ذلك هجمات على الشركة الأمريكية من مختلف العواصم الأوروبية، وخاصة في برلين، لاتهامها في قضايا تتراوح بين خصوصية العملاء والتهرب من دفع الضرائب. لا بد أن المديرين التنفيذيين في جوجل كانوا يتساءلون حول ما إذا كان تصرفهم غير الودود نحو الناشرين الذين لهم نفوذ سياسي قد ساهم في الرياح المعاكسة السياسية التي تواجه الشركة فجأة في أوروبا. جارفيلد آنديرسن، الذي يدعي أنه نصح جوجل حول صفقة يوم أمس، كتب على موقع Medium.com أن اثنين من الناشرين الألمان كانوا نشطين بشكل خاص في انتقاد جوجل بوصفها محتكرة: «يجب أن أخلع القبعة احتراما لدار النشر سبرينجر ودار بوردا. حيث أدت إشكالياتها السياسية إلى صدور قرار مكافحة الاحتكار ضد جوجل، والبرلمان الأوروبي صوَّت ضد جوجل، وقانون الربط الألماني وقانون الربط الإسباني بالضرائب، والكثير من السياسيين الذي يضربون صدورهم غضبا من جوجل، ووضعوا جوجل في موقف سيء واضطرت جوجل أن تتأدب. هذا الاتفاق- وإن كان مع ناشرين آخرين بخلاف سبرينجر وبوردا- والموقف الجديد هو النتيجة. فهنيئا للناشرين في ألمانيا. ولكن الآن آمل أنهم يدركون أن الوقت قد حان للمضي قدما. الحماية لن تنقذ أعمالهم. الابتكار سوف ينقذها. والتعاون كذلك». جوجل، بطبيعة الحال، لن تعبر عن الأمر بهذه العبارات القوية، أو تستبعد وكالات الأنباء الأوروبية باعتبارها «ناشرين على الطريقة القديمة» على نحو ما يفعل آنديرسن. جوجل، أكبر منفق على جماعات الضغط من أجل كسب التأييد في صناعة الإنترنت الأمريكية تعتبر نادمة كل الندم. كارلو داسارو بيوندو، الذي يدير «العلاقات الاستراتيجية» لجوجل في أوروبا، نقلت عنه صحيفة الجارديان قوله: «نحن نعتقد اعتقادا راسخا أن جوجل كانت تهدف دائما إلى أن تكون صديقا وشريكا في صناعة الأخبار، ولكن علينا أيضا أن نقبل حقيقة أننا ارتكبنا بعض الأخطاء على طول الطريق، ونحن عازمون على القيام بدورنا في حوار مستمر وشراكة أعمال بهدف بناء شيء أكثر استدامة». ويجري فعل ذلك من خلال صندوق بقيمة 150 مليون يورو (163 مليون دولار) يدعى «صندوق الابتكار» لتمويل نماذج الأعمال التي يمكن أن تحافظ على الصحافة في الفضاء الإلكتروني. كما تعد جوجل أيضا بمساعدة الناشرين على تطوير هذه النماذج باستخدام خبرتها التحليلية للإعلانات وشبكة الإنترنت والتطبيقات؛ لتدريب الصحفيين على المهارات الرقمية (على نفقتها الخاصة)؛ ولتمويل الأبحاث في كيفية استهلاك الناس في أوروبا للمعلومات. لن تؤدي هذه الإجراءات إلى تجميل صورة جوجل في أعين المؤسسات الإخبارية المسؤولة. من الخطأ قبول الدعم المالي- مهما كانت الطريقة التي يدار بها ذلك الدعم- من شركة يفترض للصحفيين لديك تغطيتها بموضوعية. يمكن لجوجل شراء الإعلانات أو رعاية اشتراكات مثل أي شخص آخر، ولكن لا ينبغي أن تكون قادرا على إنشاء صندوق رشوة للناشرين. وبالمثل، فإنه من غير الصحي للصحفيين قبول تدريب مجاني من شركة ينبغي عليهم الكتابة عنها في الوقت الذي تسير فيه من خلال طريق دوائر جحيم مكافحة الاحتكار الأوروبية. البحوث التي تمولها جوجل، بطبيعة الحال، ينبغي الترحيب بها، وكذلك أي جهد يشرح للناشرين كيفية التفاعل مع الخدمات الإعلانية وعالم الآندرويد. لكن لا ينبغي لهذا أن يكون موضوع أي اتفاق خاص مع وكالات الأنباء. لا ينبغي على الناشر الاشتراك باعتباره «شريكا» حتى يكون قادرا على التحدث عن وجود علاقة تجارية طبيعية مع جوجل كمقدمة خدمة. أغلب ظني أن هذا هو أحد الأسباب التي أدت إلى عدم قيام بعض من أشد المنتقدين لجوجل، مثل نيوز كورب التابعة لروبرت ميردوك والرائدة في نشر الأخبار في ألمانيا، وأكسل سبرينغر، بالاشتراك. ولكن للأسف بعض الناشرين الأوروبيين المحترمين خلافا لذلك قد اشتركوا. هؤلاء الناشرون الحمائيون من الدور القديمة ليسوا بهذا الغباء إلى درجة تدفعهم للحصول على تدريب على أيدي عباقرة جوجل حتى يتمكنوا من شق طريقهم في العالم الرقمي. في عام 2014 ساهمت المنتجات الرقمية بنسبة 53 بالمائة من الإيرادات التي حققتها أكسل سبرينجر (والبالغة 2.8 مليار يورو) وبنسبة 72 بالمائة من الأرباح قبل خصم الفوائد والضرائب والاستهلاك. هذا الاقتصاد الحديث تماما (وأنا أعلم ما أتحدث عنه، حيث إني عملتُ لدى سبرينجر في عامي 2003 و 2003، حين كان التحول الرقمي للشركة لا يزال في بداياته الأولى)، زاد أرباح الشركة بنسبة 9 بالمائة في السنة الماضية، لتصل إلى 251 مليون يورو. وهذا يعني أن دار النشر الألمانية المذكورة ليست شركة عاجزة ضعيفة تتخبط في المحيط الرقمي، لأن أوضاعها على ما يرام. من الواضح أن منظمات الأخبار يتعين عليها أن تعمل على تطوير نماذج جديدة لأعمالها: فالصحافة أصبحت صعبة بصورة خاصة من حيث تحويلها إلى منتجات قادرة على استجلاب الدخل وتحقيق الإيرادات. لكنها تتمتع بالذكاء والقدرة على التوصل إلى حل لهذا الأمور بنفسها. صحيح أن جوجل شركة ضخمة وتبيع الكثير من الإعلانات، لكن هذا لا يعني أنها أكثر وعيا أو إدراكا أو علما بأعمال الأخبار من دور النشر المتخصصة، بعد مرور أكثر من عقدين على الثورة الرقمية. منظمات الأخبار الأوروبية التي ترد على «مبادرة الأخبار الرقمية» في عبارة ملخصها «شكرا على جهودهم ولكننا في غنى عنها»، هذه المنظمات ليست ملزَمة بأن تبرر نفسها أمام قرائها، والذين يرتاب كثير منهم في أن جوجل على علاقة قوية غير مريحة مع الحكومة الأمريكية. تستطيع منظمات الأخبار أن تقول فقط إنها تريد أن تتجنب الوقوع في تضارب المصالح حين تكتب عن شركة البحث العملاقة، ومحنتها مع الأجهزة التنظيمية. لعل جوجل هي الشركة التي تحتاج إلى أن تتلقى بعض التدريب العلاجي في الصحافة.