أكثر ما يثير الاهتمام في دراسة الثقافة المهنية المعمارية على المستوى المؤسسي هو وجود "لغة صامتة" أو "شيفرات" تتطور بين العاملين في المؤسسة تكون نابعة من طبيعة العمارة وخصوصيتها العملية، وهي لغة تتطلب وقتًا طويلًا حتى تتشكل ويتم تداولها، لكن الإشكالية المعاصرة هي أن الذكاء الاصطناعي والبرامج الحاسوبية خلقت نوعًا من العزلة داخل بيئات العمل جعلت القدرة على تطوير اللغة الصامتة محدودة جدًا.. من الضرورة بمكان أن نشير في البداية إلى أن لكل مهنة ثقافتها الخاصة، بل حتى "شيفراتها" التي تبنيها مع الوقت وربما لا يستطيع أحد فك معانيها إلا المنتمين لتلك المهنة. يمكن أن نقول، في هذه الحالة، إن المهن والحرف تمثل حالات "انثربولوجية" خاصة، وفهمها يتطلب توظيف مناهج علمية قادرة على الغوص عميقا في العلاقات البينية بين العاملين وأنماط العمل اليومية في تلك المهن. هذا ما ذهبت إليه الباحثة الأميركية "دانا كف" عندما حاولت تفكيك الحالة الثقافية لمهنة العمارة ونشرت دراستها في كتاب تناولت بيئات العمل المعماري في الولاياتالمتحدة الأميركية واعتمدت على المنهج "الاثنوغرافي" الذي يركز على معايشة الباحث داخل البيئة المهنية والانخراط في الاعمال اليومية التي تحدث فيها، مع تطوير مصفوفة مركزة للملاحظات يقوم الباحث على رصدها وتسجيلها يوميا. توصّلت الباحثة إلى أن هناك مستويين من الثقافة المهنية، المستوى العام الذي يحدد الميزات الثقافية العامة المرتبطة بالمجتمعات المحلية الأميركية، أي أنها ثقافة مهنية مُتأثرة بثقافة المجتمع ونمط تفكيره والحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنظيمية للمجتمع. أما المستوى الخاص فمرتبط بكل مؤسسة مهنية على حدة وأسلوب عملها وشخصيتها الفكرية وقدراتها التنظيمية، وهذه تسمى "الثقافة المؤسسية" التي تصنع "شيفراتها" الخاصة مع وجود "الشيفرات" التي تحدد المناخ العام لبيئة العمل الداخلية وتصنع "هوية المؤسسة" وصورتها أمام المجتمع والعالم. العلاقة بين العام والخاص تمثل حالة ثقافية مهنية مهمة والتوفيق بينهما هو الذي يصنع الثقافة المهنية المعمارية في أي منطقة في العالم. محاولة فهم الثقافة المهنية المعمارية في المملكة -خصوصا مع التطوّر العمراني المتواصل وتصاعد الحاجة إلى وضع تنظيمات وبناء مؤسسات مهنية تنظيمية- تمثل ضرورة مُلحّة، فالدراسة التي قدمتها "كف" حول ثقافة ممارسة العمارة في أميركا ضمن سلسلة كبيرة من الدراسات التي تحاول أن ترصد المناخ التشريعي والاجتماعي والفكري والتقني للمهنة، بينما لا توجد دراسات حقيقية، فضلا عن وجود تقاليد بحثية متصلة في المملكة، الأمر الذي يجعل من إمكانية تتبع كيف يُفكّر المعماريون في المملكة أمرا في غاية الصعوبة، رغم أن كثيرا من الباحثين ركزوا على أهمية هذه المعرفة من أجل تطور العمارة في أي بيئة، مثل "براين لاوسون" الذي نشر كتابا في الثمانينات من القرن الماضي بعنوان "كيف يُفكّر المصممون".. هذا ما حاول أن يقوم به باحث الدكتوراه أحمد الفريدة من قسم العمارة بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، فقد كان سؤاله المباشر هو: هل هناك ثقافة مهنية واحدة للعمارة السعودية أم عدة ثقافات؟ وهذا السؤال ينطبق على كل منطقة على حدة أو على مستوى المملكة بشكل عام، وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال تم اختيار ثلاثة مكاتب مهنية في ثلاث مناطق رئيسة هي الرياض والدمام وجدة. وتم توزيع المكاتب حسب حجمها وعدد موظفيها إلى كبير ومتوسط وصغير حتى يتمكن الباحث من الوصول إلى الشيفرات المهنية الثقافية سواء على المستوى العام المرتبط بالمنطقة أو الخاص بكل مكتب وتحديد الاختلافات والمتشابهات بينهم حسب حجمهم ومنظومة العمل اليومي داخلها. إجراء مثل هذه الدراسة التي تتجاوز المظاهر السطحية للعمل المهني المعماري، كونها دراسة تتبنى المنهج "الاثنوغرافي" الذي يعتمد على معايشة الباحث لبيئات العمل في المكاتب والعمل في كل منها لمدة أسبوعين (مدة الدراسة 18 أسبوعا) وتطويره لمصفوفة واضحة لتقييم البيئة الاجتماعية والتشريعية والتقنية والإدارية والمكانية، ومحاولته لرصد الثقافات المؤسساتية المختلفة والفروقات بينها، يجعل منها دراسة تأسيسية للدراسات "الانثروبولجية" المرتبطة بمهنة العمارة. كل بيئة عمل لها لغتها ومصطلحاتها الخاصة التي تحدد أسلوبها ومظهرها. كما أن محاولته لفهم التوفيق بين اللغة الخاصة واللغة العامة تعكس كيف أن مهنة العمارة ليست مرتبطة بمؤسسات تبدو وكأنها تقنية لكنها في الواقع ذات مكوّن ثقافي عميق، فما يميز العمارة أصلا أنها مهنة ذات جذور فكرية ممتدة داخل الذاكرة المجتمعية رغم كل التحولات التي تمر بها المجتمعات. ربما تكون الملاحظة اللافتة هي أن ثقافة المؤسسة المهنية لديها القدرة على الاستمرار لفترة طويلة وغالبا لا تتخلص المؤسسات من هوياتها بسهولة؛ لكنها كي تكون ناجحة وتضمن بقاءها يجب أن تكون مرنة بدرجة كافية كي تستوعب التغيّرات حولها. لكن الثقافة المهنية المعمارية العامة أقل عمرا وأكثر تحولا مما يصنع فجوة بين العام الأكثر تغيرا والخاص الأبطأ، وهذا ما يفسر اختفاء كثير من المؤسسات المهنية مع مرور الوقت كونها لا تستطيع مواكبة التغير في المناخ الثقافي العام. أكثر ما يثير الاهتمام في دراسة الثقافة المهنية المعمارية على المستوى المؤسسي هو وجود "لغة صامتة" أو "شيفرات" تتطور بين العاملين في المؤسسة تكون نابعة من طبيعة العمارة وخصوصيتها العملية، وهي لغة تتطلب وقتا طويلا حتى تتشكل ويتم تداولها، لكن الإشكالية المعاصرة هي أن الذكاء الاصطناعي والبرامج الحاسوبية خلقت نوعا من العزلة داخل بيئات العمل جعلت القدرة على تطوير اللغة الصامتة محدودة جدا، وهذا ينذر بتغيّر قواعد الثقافة المهنية وبنيتها، فما يصنع الثقافة هو وجود المجتمع المتفاعل، وعندما تتحول المجتمعات المهنية إلى بيئات فردية فهذا يعني تشكّل ثقافة جديدة تمثل انقطاعا تاريخيا للثقافة السابقة.. لعل السؤال المستقبلي هو: كيف ستكون ثقافة العمارة المهنية في المستقبل القريب في ظل هذا التوجه للفردية؟ وهل سيغير هذا من طبيعة العمارة ومنتجاتها؟