قَطَع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جولته الأفريقية؛ من أجل المشاركة في الصلاة على الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، ما يمكن تفسيره بأنه ممارسة ذكية لدبلوماسية التعزية بين أهم دولتين إسلاميتين تربطهما علاقات جيدة، لكن ليست كافية، وخاصة في وقت يتعرض فيه الشرق الأوسط لتغييرات تاريخية، جعلت وجود حدود سعودية - تركية ممكن نظريا بسبب الفوضى التي تعم العراقوسوريا وإلغاء أجزاء كبيرة من الحدود بينهما. ومنذ مبايعة الملك سلمان بن عبدالعزيز ملكاً في 23 يناير الماضي، سُطرت مئات المقالات، وتبارى العديد من المحللين والكتاب لتصديق ما يدور في خيالاتهم الشخصية، والذهاب بعيداً فيما يتعلق بمستقبل مختلف للعلاقات السعودية المصرية، وبالتالي عودة لسابق العلاقات بين الرياضوأنقرة، لكن بيان وزارة الخارجية التركية القاسي في 26 يناير 2015 بشأن الأحداث التي وقعت بمناسبة الذكرى السنوية لثورة 25 يناير، قطع الآمال بتخفيض أنقرة درجة تدخلها في الشأن المصري، ثم جاء تأكيد الملك سلمان بوقوف المملكة إلى جانب الحكومة والشعب المصري الشقيق، وتأكيد ثبات الموقف تجاه مصر واستقرارها وأمنها وعدم تغييره، وأن ما يربط البلدين الشقيقين نموذج يحتذى في العلاقات الإستراتيجية والمصير المشترك، وأن علاقة المملكة ومصر أكبر من أي محاولة لتعكير العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين. ليقطع الشك باليقين بوجود آمال بتغير سعودي تجاه التزام المملكة الثابت تجاه مصر، ومن المؤكد أن الرسالة السعودية وصلت لأنقرة وخلاصتها: أن أي تقارب تركي - سعودي لن يكون على حساب مصر أو غيرها. ولعل أحد الدروس المستفادة تركياً من الربيع العربي أن السعودية أثبتت صواب سياستها الإقليمية الفاعلة، ومساهمتها البناءة خصوصا في تأمين الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والذي كاد أن ينزلق لسيناريو أسوأ مما هو عليه الآن، وإذا تجاوزنا الدور التركي في أحداث الربيع العربي والموقف غير الواقعي تجاه التدخل في الشأن المصري بطريقة متكررة ومبالغ فيها، فإنه يمكن القول بعدم وجود أية مشاكل سياسية بين الرياضوأنقرة، فعلى المستوى الرسمي ما زالت علاقات الاحترام قائمة، مع إيمان الرياض بأن التعاون مع تركيا ضرورة سياسية في سورياوالعراق واليمن، وما تحتاجه أنقرة فقط هو الابتعاد عن آراء الحزبيين من العرب والأتراك والعودة للتعامل مع الرياض وفق مبدأ العمل المؤسسي الرسمي، ووقتها ستكون النتائج رائعة؛ لأن أي تصعيد لن يكون في مصلحة أي من الجانبين لما بينهما من مصالح مشتركة. آخر تصريح للرئيس التركي أردوغان عن السعودية جاء فيه "كنا نحن والملك عبدالله متفقين حول المسألة السورية، لكننا اختلفنا بموضوع الانقلاب في مصر"، وبعد قدوم الملك سلمان، والخطوات التي اتخذها أؤمن أنها ستقود إلى عودة العلاقات بين البلدين كما كانت في السابق. كما تحدث د. ياسين آكتاي نائب رئيس حزب العدالة والتنمية عن زيارة قريبة للرئيس أردوغان للرياض. وأثناء إرسال هذا المقال كان سمو ولي ولي العهد يستقبل وزير الداخلية التركي، وهذا يؤكد أن قلوب وأبواب الرياض مفتوحة لأى تواصل وتعاون يمر عبر مؤسسات الدولة الرسمية وقنواتها المؤسسية، وأن المصالح الوطنية التركية تتطلب تفادي أي تصرفات تضر بجيران الرياض. * محلل سياسي