عندما تُنبشُ سيرةُ شاب مرفّه متعثّرٍ في دراسته، وقد أفسده الدلال، أتذكر صورة أخرى مشرقة لطالب من تايلاند، زاملته أثناء الدراسة في الخارج. (ورد ذِكره في كتابة سابقة، وضمن سياق آخر). وحين أرى شابا يتسكع بسيارة فاخرة ليملأ الشارعَ صخبا بصوت عجلاتها، أو بالأغاني المنبعثة من مسجلها، أتذكر الزميل نفسه وهو يقطع المسافة من السكن الجامعي إلى الكلية مشيا على قدميه. كنت أستخدم الحافلة للوصول إلى مبنى الكلية، وكان يحمل حقيبته الثقيلة فوق كتفه، ويغذُّ السير ماشيا قرابة عشرين دقيقة ذهابا ومثلها في العودة. سيوفر له المشي بعض الدولارات لإنفاقها على ما هو أهم. كان يرتدي بنطلونَ "جينز" مهلهلا وسترة لا تقوى على الصمود أمام شراسة الشتاء، ولا أظنه قد عرف الطريق إلى كافتيريا الجامعة. حين يعود إلى غرفته في السكن الجامعي يتناول صحنا من الرز (أنكل بنز) وبيضة مسلوقة، وعلبة زبادي. ولكي يحصل على شيء، فإن عليه أن يكدح ويتعب وينتظر. مع ذلك لم أره عابسا أو متذمرا، بل كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه، وبه دعابة لا تمل، وفي حضرته تصبح قاعة الدرس أكثر مرحا وحيوية. كان مثابرا ومجدا ومنتجا ودقيقا في مواعيده مع أنه لا يضع في يده ساعة ثمينة أو رخيصة. سألته ذات يوم: "من يغطّي نفقات دراستك؟" فقال: "خالتي.. وسوف أسدد لها المبالغ التي أنفقتها علي بعد أن أتخرج وأعمل قاضيا"! نموذجان مختلفان كل الاختلاف. فالشاب المرفه المدلل يقف على رجلي والديه، وتسعى الأشياء إليه صاغرةً إلا النجاح، وكذلك الحب، فهو أيضا أحد تلك الاستثناءات التي لا تشترى، فالمال،كما يقول الشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي كريستوفر مارلو ساخرا، «لا يستطيع أن يشتري الحب، لكنه يمكن أن يقوي موقفك أثناء المساومة»! وليس بعيدا عن هذا المعنى ما تقوله الناشطة إيما جولدمان، فهي ترى أن المال قد استطاع شراء العقول (أو نتاجها). لكن ملايين العالم أخفقت في شراء الحب. ومن الأشياء التي لا تشترى خفة الظل. فهي ليست صفة مكتسبة. ولو كان شراؤها ممكنا لكانت من السلع الرائجة. لا تستطيع عملية غسيل الدم (الديلزة) أن تستبدل دما ثقيلا بدم خفيف. يحظى النموذج الأول بدلال ينزع عنه صفة اللطف والتواضع والأريحية. ويولّد الدلال المفرط اتِّكاليةً تجعله يرفع الراية البيضاء أمام أقل المصاعب، ويغرق في شبر ماء منتظراً من ينتشله. وما أكثر النكات التي تتناول رخاوة أبناء الذَّوات. ناهيك عن النظر إلى العالم من حولهم بمنظار خاص تعبر عنه نكتة تقول: كلف مدرس اللغة تلميذا من أبناء الذَّوات أن يكتب موضوعا عن عائلة فقيرة، فكتب الكلام التالي: هنالك عائلة فقيرة جدا، الأب فيها فقير والأم فقيرة والأولاد الثلاثة فقراء وكذلك الشغال والبستاني والسائق ومحامي العائلة، كلهم فقراء. أما سيارتهم ال (BMW) فلم تكن آخر طراز. (ترد هذه النكتة بصيغ مختلفة، وآفة النكات رواتها، وأنا واحد منهم). بقي أن أشير إلى أن المعاناة هي الحد الفاصل بين عالَمين، عالَم الشاب المترَف ونظيره المُترِب، وأن المكابدة هي التي تقطر إنسانية الأخير، والمصهر الذي يشكل شخصيته، ويصنع منه إنسانا، وإذا كانت المحارة تمر بمرحلة من الألم قبل أن تنجز مهمتها، فإن ذلك الألم هو الذي يصنع اللؤلؤة. * متخصص في الإدارة الدولية المقارنة