نجم عن سقوط نظام صدام حسين فراغ سلطة في العراق اتجهت العناصر المتشددة من شتى ألوان الطيف إلى ملئه تاركة عامة العراقيين في حالة متفاقمة من غياب القانون. ومازالت مدن كثيرة بين دجلة والفرات تشبه ساحات معارك رغم إعلان انتهاء العمليات القتالية الرئيسية في آيار/مايو 2003. وتزداد كثافة الغموض فيما يتعلق بسؤال عمن يقاتل من ومن أجل ماذا.. وفيما يحاول مقاومون الإطاحة بقوات التحالف بقيادة الولاياتالمتحدة بالوسائل العسكرية ومع استغلال نهازي الفرص الوضع الفوضوي ظهرت موجة ثالثة من المتشددين لهم أهداف مختلفة كلية. وأحدث نموذجين لهذا التطور الجديد المثير للقلق لا يشتركان في شيء تقريبا فأحدهما يتمثل في تهديد من جماعة إسلامية غير معروفة بقتل صحفيين فرنسيين مختطفين ما لم يتم إلغاء الحظر المثير للجدل على الرموز الدينية في المدارس بفرنسا ويتمثل الاخر في اغتيال محاضرة جامعية في الموصل يوم السبت. ومازال رعايا الولاياتالمتحدة وبريطانيا وكذا بلدان أخرى ساهمت بقوات في القوة المتعددة الجنسيات في العراق أو جاهرت بتأييدها الحرب على دراية بالمخاطر التي تواجههم في العراق وافترض رعايا الدول الاخرى أنهم بمنأى بدرجة معينة من أعمال الاختطاف والهجوم. لكن لم يعد لهؤلاء أن يعولوا على هذا الافتراض. وهذا هو اختطاف صحفيين فرنسيين على الطريق المعروفة بخطورتها بين بغداد والنجف يؤذن بتطور جديد ومفزع. ويسعى الخاطفون من وراء احتجازهما إلى الضغط من أجل التأثير على قرار سياسي فرنسي داخلي وهو وإن كان أثار انتقادات من العالم الاسلامي أجمع فإنه لا يمت بصلة مباشرة بأي قضية في العراق. ويثير مثل هذا التطور حالة من الفزع من أن العراق بصدد التحول إلى ساحة معركة تتبدى فيها جميع القضايا العالقة التي تواجه المجتمعات الاسلامية والغربية كأهداف عادلة. وهذه الفكرة تقلق حتى كبار أعضاء مجلس علماء المسلمين وكثير منهم تولوا مناصب كبيرة في نظام صدام. دعا المجلس الذي ينظر إليه على أن له علاقات وثيقة بمختلف الجماعات المسلحة خاطفي الصحفيين الفرنسيين إلى الإفراج عنهما وقال إن هناك "أساليب قانونية" للضغط من أجل إلغاء قانون حظر الحجاب. وانتقد عبد الجبار الخالصي أحد كبار علماء الشيعة أيضا عملية الاختطاف اعتقادا بأن هناك "شبكة إرهابية دولية تسعى (من وراء هذا التطور) إلى الإساءة إلى المقاومة العراقية". من جهة أخرى يشكل اغتيال الدكتورة إيمان عبد المنعم رئيسة قسم الترجمة في جامعة الموصل الحلقة الاخيرة في سلسلة هجمات على الأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين وغيرهم من المهنيين ويعتقد محللون أن هذه محاولة للحد من حجم فئة القادة المحتملين في عراق ما بعد صدام. ويعتقد مراقبون أن هذه الهجمات تكشف عن وجود قوى أخرى تعمل في العراق هدفها الأساسي ليس قصرا على الإطاحة بالقوات التي تقودها الولاياتالمتحدة أو الحكومة الانتقالية المدعومة أمريكيا وإنما يمتد إلى زعزعة استقرار المجتمع العراقي بأسره. ويعتقد أن هناك عوامل تأثير خارجي وراء هذه الهجمات التي لا تصب مباشرة في خدمة أي جماعة سياسية عراقية. فما عوامل التأثير تلك؟. يقول الامين العام للرابطة الوطنية والأكاديمية ومثقفي العراق هاني إلياس أن وراء هذه الهجمات تحريض من وكالة المخابرات الإسرائيلية /الموساد/ بهدف "عرقلة تنمية المجتمع العراقي". ويشير آخرون بأصابع الريبة إلى إيران المجاورة قائلين إن العراق المعافى ذا السيادة والعلماني لا يصب في خدمة المصالح الكبرى لطهران. ومع ذلك يتفق جميع العراقيين عمليا على شيء واحد أن أس البلاء كله يتمثل في الولاياتالمتحدة التي لولاها لما ظهرت مشكلة فراغ السلطة ولا جميع المشكلات المرتبطة بها.