لعل الفجوة التي أفرزتها أحداث 11 سبتمبر في الولاياتالمتحدة وما تبعها من تباين بين أعضاء من الصقور في الادارة والمجالس التشريعية الذين يدعون الى وقف الهجرة الطلابية للجامعات الامريكية والمقدر عددهم بأكثر من خمسمائة ألف طالب وطالبة من شتى أنحاء العالم او على أقل تقدير الحد منها وتقليل التخصصات العلمية الممنوحة لهم، وبين بعض التيارات الاكاديمية في تلك الجامعات التي ترى الفصل بين تلك الاحداث السياسية والأمنية وبين المنهج العلمي الذي سارت عليه البلاد منذ أمد طويل. وقد يبدي البعض ان سد الانسياب الدراسي من قبل الطلبة المسلمين الى امريكا قد يكون حسنة ومخرجا من دائرة الإذابة وما يتبعها من علمنة توصل بهم الى طرق مسدودة في توجهاتهم الدينية والفكرية، إلا ان المتابع لأحوال الطالبات والطلبة السعوديين على وجه الخصوص ممن ابتعثوا منذ عقود خلت انهم إبان دراستهم كانوا أكثر تمسكا بتعاليم دينهم وسعيا لتطبيق الشريعة الاسلامية في مجتمعهم الدراسي والمدني، وان زوجاتهم وبناتهم كن اكثر تطبيقا للحجاب الاسلامي من بعض الموجودات على ارضنا في الوقت الحاضر، وقد كانوا قدوة حسنة بما يمثلونه من تيار معتدل ينبذ الغلو والتطرف العقدي وكذلك الخلافات السياسية والمذهبية. وبعد ان نهلوا من منابع العلم كل في مجال تخصصه عادوا الى ارض الوطن وهم اكثر ولاء للدين والمليك والوطن يحملون معهم الكثير من الذكريات الطيبة التي عاشوها بين احضان خليط من الحضارات والثقافات والألوان البشرية مسخرين جهدهم وعلمهم لبناء مجتمعهم السعودي كل في موقعه وبالقدر الذي هيىء له. اما وقد وقعت تلك الاحداث الدامية ولم تنجل حتى الساعة أسرارها الحقيقية بمن وراءها بحيث يصدقها الجميع في ارجاء العالم فان تبعاتها قد طالت الطلبة السعوديين وقد تم كإجراء مبدئي التضييق او بمعنى ادق التدقيق طويلا في الاسماء التي ترغب الدراسة او العلاج من قبل السفارة الأمريكيةبالرياض. ونحن هنا لا نلومهم على أي اجراء يرونه يحقق السلامة والأمن لمجتمعهم ودولتهم، ولكننا نتمنى ان لا يتم اخذ الكل بخطيئة البعض فما ذنب المريض او المرافق من كبار السن او النساء الذين يريدون الحصول على علاج متقدم في احد المراكز الصحية لانتظار عدة اسابيع للحصول على اذن الدخول الى حدود بلادهم؟ قد يقول البعض ان مستشفياتنا فيها الخير والبركة وان هناك مشاريع توسعة وانشاء للعديد منها وتزخر بخيرة الاطباء من كل انحاء الدنيا وقد نتفق معهم في هذا التوجه الى حد كبير في بعض المواقع، إلا ان حججنا تصطدم مع اخبار سفر اطباء وعلى مستوى القمم لاجراء عمليات في الخارج. ولم يتم التوقف عند هذا الحد، بل ظهرت ابواب اخرى حدودية قد تم تضييقها ولعل آخرها اشتراط الحصول على فيزا عبر السفارات وليس المطارات كما كان معمولا به سابقا للدخول الى تركيا وكندا. ومهما قالوا ان هذا الاجراء ليس له صلة بالاحداث الاخيرة الا ان واقع الحال لا ينم عن ذلك. ولا نملك في المقابل ان نطالب الغير بعدم توخي الحذر والحيطة ممن تسبب في اثارة زوابع ترابية في وجه المسلمين والعرب بشكل عام والسعوديين بوجه خاص على خلفية تلك الاحداث وهو حق يكفله لهم القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية المتبادلة، بل نقول لهم شكرا لانتظاركم سنين طويلة لا تشترطون علينا الحصول على الفيزا على الرغم من اشتراطنا ذلك لمواطنيكم سواء لحج أو عمرة أو عمل. وفي السياق نفسه، نلوم بعضا ممن لهث وراء سراب ايدلوجي فأقبع نفسه في سجون قاعدة كوبا او بين احضان الاستخبارات الباكستانية او المغربية وترك ذويه وابناءه يعانون الفراق والمصير المجهول وامته وشعبه رهينا لنظرات وتساؤلات غريبة عند الحدود في بعض المطارات لا لذنب ارتكبوه سوى انهم على شاكلة البشرة الحنطية. عزيزاتي وأعزائي القراء: الى هذا الحد وننتهي من الحدود الخارجية لهذا اليوم، لنواصل بكم السفر الداخلي وان شئتم عبر الخطوط السعودية على الرغم من زيادة عشرين ريالا على محطاتها - الناقل الوحيد - لنتوقف قليلا عند حدود الجامعات والكليات التي اعلنت عن اغلاق حدودها امام الزحف المتوقع سنويا بحكم التكاثر السكاني في وجه العديد من طالبات وطلبة الثانوية والذين لم يبق لهم حيلة سوى طرق ابواب السفارات والقنصليات مرة اخرى للحصول على فيزا دراسية وتحمل تكاليف باهظة في سبيل تعليمهم الجامعي حتى وان كان ذلك على اطراف قارة آسيا أو بين أدغال القارة السمراء. وبما اننا حاليا على بدايات العام الجامعي وما قد يجره هذا الموسم من عواصف متوقعة تؤيد او ترفض رأيي من اعضاء هيئة التدريس، الا ان خشيتي الحقيقية هي على الكثير من طالباتنا وطلابنا السعوديين الذين قد يقعون ضحايا للابتزاز من قبل بعض الذين وضعوا ضمائرهم في قوالب مثلجة ففتحوا عقولهم وأبوابهم للتزييف والتدليس ورضوا بأوراق الدولارات في سبيل منحهم درجات علمية وابحاثا مصطنعة فلا يضير الطالب ومستقبله المهني والعلمي ولا أوطانهم وما يجرونه عليه من مستويات متدنية ضحلة على الرغم من حملها للدرجات العلمية بقدر ما يأسرهم بريق الذهب الاصفر. ولعل وزارة التعليم العالي وعلى وجه الخصوص ادارة معادلة الشهادات تدرك حجم هذه المشكلة وتبعاتها وكذلك الملحقيات السعودية بالخارج ممن لا يملكون سوى اشهار بطاقة حمراء بعد ان بلعت الطالبة او الطالب السعودي الطعم وغرر بهما. ومن الطريف انني التقيت بشخص احيل الى التقاعد الوظيفي وبعدها سافر الى جامعة مجاورة ومنحته درجة الدكتوراة - طبعا ليست الفخرية - في فترة وجيزة ممن يستغرق الحصول عليها من قبل بعض الطلبة من امريكا وبريطانيا والمانيا سنين طويلة من التفرغ الكلي والجهد المضني المتواصل ليل نهار - والبركة في جيبه-! وهنا اضع جزءا من اللوم على الجامعات والكليات في الداخل التي اغلقت حدودها وابوابها في وجوه طالباتنا وطلابنا بحيث انها لم تحمهم من المترصدين والمعلنين في الصحف والانترنت، وان فعلت ذلك بعد كر وفر طويلين مروا خلالها عبر اقفاص اسئلة الاختبارات التقويمية المدفوعة الثمن سلفا ووصول درجات الكثيرين منهم الى 60% صعودا ونزولا على الرغم من درجات الثانوية المرتفعة والتي لا يجد لها الأب البسيط تفسيرا في اوجه التباين بين النتيجتين القبلية والبعدية. اما اذا احتضنتهم الجامعات والكليات والمعاهد فان في احشائها تخصصات يرفضها رجال الاعمال جملة وتفصيلا والمجتمع المهني على قدم وساق، وقد فعلت خيرا كما نشر أخيرا جامعة الملك سعود في الرياض عن نيتها اغلاق قسم العلاقات العامة نظرا لعدم وجود الفرص الوظيفية لخريجيه،وما حال خريجي بعض فروع أقسام الترجمة في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ببعيدة عن هذا السياق، وما تناولته إحدى عميدات كلية التربية التابعة لوزارة المعارف! بالرياض عن خريجات قسمي الجغرافيا والتاريخ من مكوث بالمنزل وتعليق شهاداتهن على حائط مائل، إلا موجة ضمن السعي من قبل الجميع لتسليط الضوء لعله يجدي لضمان الحفاظ على جهد ومال الدولة، ووقت بناتنا وأبنائنا من التسريب المائي الذي لم ينقطع هديره. والشيء بالشيء يذكر نبارك لمعالي الدكتور غازي القصيبي الحدود الجغرافية الطيبة الجديدة بعد ان ودع سحب الضباب وبرقها، متمنين له دوام رؤية إطلالته الصحفية كل صباح فهي توقظ اللبيب بعد سبات لا يدوم بمن كان يراه، وان يعاود الكرة بنفس العنفوان والشباب كما كان في احضان الجسد مع اختلاف عقارب الساعة.