على الرغم مما أحدثته منصات التواصل الاجتماعي من نقلة نوعية في سرعة الاتصال وتبادل المعرفة، وما وفرته من فرص للتعلم والعمل والتواصل الإنساني، فإن الوجه الآخر لهذه المنصات بات يفرض تحدياً خطيراً على المجتمع، يتمثل في انتشار بعض البثوث المباشرة التي خرجت عن إطارها الأخلاقي والاجتماعي، وتحولت في بعض الحالات إلى محتوى يفتقر إلى الذوق العام، ويتعارض مع القيم الإسلامية والهوية الوطنية. ما يُرصد اليوم من ممارسات عبر بعض الحسابات في البث المباشر لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد «محتوى عابر» أو «سلوك فردي»، بل أصبح ظاهرة تستوجب الوقوف عندها بجدية، لما تحمله من أثر مباشر في تشكيل الوعي العام، خصوصاً لدى فئة الشباب والمراهقين، الذين يتعرضون بشكل يومي لمشاهد وسلوكيات غير منضبطة قد تُعيد تشكيل مفاهيمهم عن السلوك المقبول اجتماعياً. والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لم تعد محصورة في فئة عمرية محددة أو في أطراف المجتمع، بل امتدت إلى بعض ممن يُفترض فيهم الوعي والرشد، بل وحتى إلى من يقدّمون أنفسهم كأصحاب توجيه أو نصح، ما يضاعف خطورة المشهد، ويطرح تساؤلات مشروعة حول حدود المسؤولية الأخلاقية في الفضاء الرقمي، وحول ما إذا كان السعي وراء التفاعل أو العائد المادي قد تجاوز كل الضوابط والقيم. تحويل البثوث المباشرة إلى مساحة استعراض مبتذل، أو سلوكيات غير منضبطة، لا يهدد الذوق العام فقط ، بل يمسّ بشكل مباشر تماسك المجتمع، ويُضعف منظومة القيم التي شكلت عبر عقود أساساً للاستقرار الاجتماعي والتربوي. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد في وعيه الذاتي، وتمر بالمؤثرين وصناع المحتوى في التزامهم الأخلاقي، ولا تنتهي عند الجهات التنظيمية المعنية بحماية الفضاء الرقمي من الانفلات. المطلوب اليوم ليس مجرد ردود فعل آنية، بل رؤية أكثر حزماً ووضوحاً تجاه ضبط المحتوى الرقمي، وتعزيز الرقابة الأخلاقية، وتفعيل الأنظمة، بما يضمن حماية المجتمع من الانحدار القيمي، دون الإخلال بحرية الاستخدام الواعي والمسؤول. فالمجتمع الذي لا يحمي فضاءه الرقمي، يترك بواباته مفتوحة لتآكل القيم من الداخل بشكل تدريجي، لكنه بالغ الأثر.