في مشهد غير مألوف في تاريخ الدعاية الحربية الأمريكية، لجأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أسلوب إعلامي جديد للترويج للحرب ضد إيران، عبر مقاطع فيديو قصيرة تحاكي أجواء ألعاب الفيديو والأفلام السينمائية، في محاولة للوصول إلى الجمهور الشاب على منصات التواصل الاجتماعي. وتبدأ إحدى هذه المقاطع بمشهد مأخوذ من لعبة إطلاق النار الشهيرة «كول أوف ديوتي»، قبل أن ينتقل سريعاً إلى لقطات لطائرات مقاتلة تقلع من حاملات الطائرات، وصواريخ تشق السماء، وانفجارات تظهر بالحركة البطيئة. ويصاحب المشاهد إيقاع موسيقي صاخب لأغنية «بون فاير» لمغني الراب الأمريكي تشايلديش غامبينو، فيما يعلّق صوت عميق قائلاً: «نحن ننتصر في هذه المعركة». وقد حصد هذا الفيديو عشرات الملايين من المشاهدات عبر منصات التواصل مثل تيك توك وإنستغرام وإكس، ضمن حملة إعلامية أطلقتها الإدارة الأمريكية للترويج للضربات العسكرية ضد إيران، التي بدأت في 28 فبراير ضمن عملية أطلقت عليها واشنطن اسم «الغضب الساحق». دعاية الحرب بأسلوب جديد تقليدياً، كانت الإدارات الأمريكية تعتمد على الإحاطات الصحفية والتقارير العسكرية الرسمية لتفسير أسباب الدخول في الحروب. غير أن المشهد الحالي يعكس تحولاً واضحاً في أسلوب التواصل السياسي، حيث حلّت مقاطع الفيديو القصيرة المليئة بالمؤثرات البصرية والموسيقى الحماسية محل الإحاطات العسكرية التقليدية. وتظهر هذه المقاطع طائرات شبح تخترق الغيوم، وانفجارات ضخمة تملأ الشاشة في مشاهد أقرب إلى أفلام الحركة منها إلى البيانات العسكرية الرسمية، كما تظهر مؤشرات رقمية تحاكي ما يظهر في ألعاب القتال، وكأن العمليات العسكرية تُعرض داخل لعبة إلكترونية. ويصف خبراء الإعلام هذا الأسلوب بأنه تحويل الحرب إلى لعبة، أي تقديم الصراع العسكري بلغة الألعاب والترفيه لجذب الجمهور الرقمي. استهداف الجيل الرقمي ويرى باحثون في الإعلام أن هذه المقاطع صُممت أساساً للوصول إلى فئة الشباب التي تقضي وقتاً طويلاً على منصات الفيديو القصير. وقال الباحث الإعلامي كريغ سيلفرمان إن إنتاج مثل هذا المحتوى أصبح سهلاً بفضل أدوات المونتاج الحديثة، مشيراً إلى أن مدير وسائل التواصل في البيت الأبيض يستطيع خلال وقت قصير إنتاج مقطع جذاب ينتشر بسرعة عبر الإنترنت. كما استخدمت بعض المقاطع عناصر من الثقافة الشعبية، مثل شخصية الرسوم المتحركة الشهيرة سبونج بوب سكوير بانتس، إضافة إلى لقطات من أفلام معروفة مثل «توب غَن» و«المصارع» و«القلب الشجاع»، في محاولة لإضفاء طابع ترفيهي على الرسائل العسكرية. انتقادات أخلاقية وسياسية غير أن هذا الأسلوب أثار موجة انتقادات داخل الولاياتالمتحدة، حيث اعتبره بعض الخبراء محاولة غير لائقة لتحويل الحرب إلى عرض ترفيهي في وقت يسقط فيه قتلى وجرحى نتيجة العمليات العسكرية. ويرى منتقدون أن الرسائل الدعائية تركّز على إظهار القوة العسكرية وكيفية تنفيذ الضربات بدلاً من شرح الأسباب السياسية للحرب أو تبريرها أمام الرأي العام الأمريكي والدولي. كما أشار مسؤولون سابقون في الإدارات الأمريكية إلى أن الحكومات عادة ما تسعى إلى شرح أسباب الصراع للرأي العام، بينما يبدو أن الحملة الحالية تركّز على إبراز التفوق العسكري والتكنولوجيا الحربية. جدل حول الرسالة السياسية في المقابل، تدافع الإدارة الأمريكية عن هذه المقاطع، مؤكدة أنها تهدف إلى إظهار نجاح العمليات العسكرية في تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية والمنشآت العسكرية المرتبطة بها. لكن الجدل في واشنطن لا يقتصر على أسلوب الدعاية، بل يمتد إلى طبيعة الرسالة السياسية نفسها، خصوصاً أن ترمب كان قد خاض حملته الانتخابية على وعود بتقليص التدخلات العسكرية الخارجية. ويرى محللون أن التحدي الأكبر أمام الإدارة الأمريكية لا يكمن في تحقيق ملايين المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل في إقناع الرأي العام بجدوى خوض صراع جديد في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا الجدل، تبدو الحرب الإعلامية الدائرة على الإنترنت انعكاساً لتحول أوسع في طريقة عرض الصراعات في العصر الرقمي، حيث لم تعد الحروب تُخاطَب عبر البيانات الرسمية وحدها، بل عبر لغة الميمات ومقاطع الفيديو السريعة التي تنتشر خلال ثوانٍ عبر العالم.