في زمنٍ تتسارع فيه التطوّرات وتتشابك فيه سياقاتُ المعرفة مع وسائطها، لم يَعُد المثقّف ذلك الأنموذج المحصور في رفوف الكُتب أو في قلب الندوات وعلى أطرافها؛ فقد تبدَّلت أدواره، لا بوصفه ناقلًا للمعرفة وحسب، بل لكونه شريكًا في بلْورةِ وعي الناس، ومُحرِّكًا لطاقةِ التغيير على أرض الواقع، ومُترجِماً لِما يَعتمل في الأزمنة من تحوّلاتٍ ونتائج. ولعلّ المُفارَقة الكبرى تتمثّل في أنّ المواكبة، التي كان يُنظر إليها سابقًا باعتبارها تهديداً لأصالة الثقافة، أضحت في أيّامنا هذه جزءًا أصيلًا من تصوّرات رسالتها، بل شرطًا من شروط قدرتها على البقاء والتأثير. باتتِ الثقافةُ المعاصرة أكثر قدرةً على العبور من النخبويّة إلى الفضاء العامّ من دون أن تَفقد رصانتَها، كان ذلك بفضل وعيٍ جديد لدى المثقّفين أظهر بأنّ القوّة لا تكون في العزلة والانعزال، بل في سياق مخاطبة الإنسان أينما كان، وبلغته وأدواته وتطلّعاته. وفي هذا الإطار، ثمّة أربعة مظاهر للمواكبة تبدو بمثابة ضرورة لا غنىً عنها لأيّ مثقّف يريد أن يكون عمليّاً ابن زمانه، لا مجرّد مُتفرّجٍ عليه. أولى هذه المظاهر، المواكبة اللّغويّة، وهي مسألة تتطلّب التخفُّف من التعقيد، فضلاً عن تجنُّب العاميّة، وهو ما يعني اختيار لغة وسطيّة فصيحة، تَمتلك من الرشاقة ما يَجعلها مفهومة، ومن العُمق ما يُرشِّحها لأن تكون مُلهِمة. وقد أَثبتتِ التجربةُ أنّ اللّغة غير المتكلّفة والمغلَّفة بالتشويق، تَستطيع نقْلَ الأفكار الكبرى إلى الجمهور العريض، تمامًا كما يَفعل كتّابُ المقالات الثقافيّة في الصحف العالَميّة ممّن يَستثمرون ما يُعرف في الأدبيّات الحديثة ب Narrative Framing (إطار السرد)، وهو منهج يقوم على تقديم الفكرة بأسلوبٍ قصصيّ جذّاب يُدخِل القارئ شريكًا في سياق البناء المفهومي العامّ ولا يَجعله مجرّد متلقٍّ عاديّ. والمثقّف العصريّ الذي يتقن «تكتيك الإبهار» اللّغوي، لا يكون من ذاك الصنف الذي يَستخدم المفردات النخبويّة المعجميّة، وإنّما هو من أولئك الذين يصنعون من العبارة جسراً في اتّجاه وعيٍ حداثويّ واضحٍ ومركّز. وعلى العموم هذا ما جَعل الخطابَ الثقافيّ العربيّ يَشهد في السنوات الأخيرة موجةً من الكتابات الفصيحة السهلة التي أَسهمت بدورها في عودة الجمهور إلى الانكباب على النّتاج الثقافيّ بعدما كاد يكون حكرًا على المُختصّين. والمظهر الثاني هو المواكبة التقنيّة، وهي عنصر تَفرضه طبيعة عالَمِنا الرّاهن الذي لم تَعُد فيه الخطابات الثقافيّة مُختزَلةً في قاعة محاضرة أو في ملحقٍ ثقافيّ معيّن، الأمر الذي جَعَلَ الفئات المُتلقّية للعمليّة الثقافيّة تَلتحم في اللّحظة عيْنها مع ما تموج به المنصّات الرقميّة التي باتت هي الآليّة الأوسع والأكبر والأفعل على مستوى تشكيل الرأي العامّ، ولا يُمكن بالتالي للمثقّف الرّاهن أن يغضَّ الطرفَ عن تلك الآليّة، فقد تحوَّلَ تويتر (بالرغم من تقلّب مزاجه) إلى ساحة مناقشات كبرى، وصار كلٌّ من إنستغرام وسناب شات منصّتَيْن لعرْضِ الأفكار بصورةٍ مرئيّة قصيرة، يَنجذب إليهما جيلُ حقبتنا الراهنة هذه، أكثر من انجذابه إلى المقالات الطويلة وما شاكَلها ويُشاكلها من أساليب تقليديّة تَعرض المُنتج الثقافيّ والفكريّ والمعرفيّ. أمّا تيك توك، فهو وفق تقرير «Digital 2024 Global Overview» الصادر عن DataReportal وWe Are Social، المنصّة الأسرع نموّاً في العالَم من حيث التأثير على الذائقة الرقميّة، والأكثر قدرةً على إيصال الرسائل المُختصَرة للفئة العمريّة ما بين 18 و35 عامًا. وهذا ما يَضع المثقّفَ أمام تحدٍّ كبير لجهة كيف يُحافظ على عُمق الفكر في وسائط تقوم على السرعة والخفّة. تحويل الفكرة إلى مكوّنٍ بصريّ وجوابنا هنا يكمن في تحويل الفكرة المكثّفة إلى مكوّنٍ بصريّ جذّاب من دون التنازل عن قيمتها، حيث تشير خلاصات أبحاث تعليميّة حديثة إلى أنّ «التجزئة المعرفيّة»، أيّ تقديم الأفكار المعقّدة في وحداتٍ قصيرة، تَرفع معدّلات التلقّي بنسبٍ ملحوظة، مُقارَنةً بالعروض التقليديّة. وهذا ما يُفسِّر نجاحَ كثير من المفكّرين العرب ممّن دخلوا هذه المنصّات بثقة وفهْم لطبيعتها جميعها كوسيط، فصارَ لهم الحضور المؤثّر بين الشباب، ومنهم مثقّفون خليجيّون استطاعوا الجمْع بين الرصانة والانتشار من دون إخلالٍ باللّغة والهويّة. أمّا المظهر الثالث، فتعكسه تلكم المُواكَبة الاحتياجيّة والذوقيّة، التي هي أشبه بالبوصلة التي تُوجِّه المثقّف مباشرةً نحو الجمهور الذي يخاطبه؛ فالثقافة ليست استدعاءً للنصوص القديمة بوصفها معجزات مكتفية بذاتها، بل هي محاولة مستمرّة للإجابة عن أسئلة الحاضر بتجلّياته كافّة. والمثقّف العصري النّاجح هو ذاك الذي يُدرِك أنّ الماضي ليس إرثاً جامداً، بل مَصدراً للتأمّل والاستلهام ومُعاودة القراءة الولّادة المُنتِجة. إنّ مسألة إعادة إسقاط التراث على الواقع ليست بالأمر الاعتباطي مطلقاً، بل هي عمليّة ملحّة يتطلّبها الوعي العميق للإنسان المعاصر الذي يبحث عمّا يُلامِس شغاف حياته في الصميم: ضغوطه، تحدّياته، قضاياه الاجتماعيّة والمعيشيّة، علاوةً على تفاعله مع الفنون، وسائر حاجاته الروحيّة والجماليّة، فضلاً عن طموحاته في اتّجاه عالَمٍ متغيّر، وله شروطه المفتوحة. لذلك فإنّ المثقّف العصريّ هو انعكاسٌ لمجريات زمانه، لا بمعنى الذوبان فيه، ولكن بقدرته على فهْمه وتفسيره، ومن ثمّ ربطه بالمخزون المعرفي عَبْرَ منهجٍ نقديّ لا يَقطع الصلة بالأمس البعيد أو القريب. وثمّة دراساتٌ في عِلم الاجتماع الثقافيّ تؤكّد أنّ الجماهير تَستجيب أكثر للمثقّف الذي يعيش في القلب من قضاياه، ويُقدِّم مُعالَجةً موضوعيّة للتحدّيات اليوميّة، بدءاً من شؤون الأسرة والعمل، وصولاً إلى التحوّلات الرقميّة وتأثيراتها على الحياة العامّة. ثمّ تأتي المواكبة الإثرائيّة والعلاجيّة، وهي إحدى أعقد مسؤوليّات المثقّف الرّاهن أو العصري؛ والذي يَنبغي ألّا نتصوّره ناقلاً للحِكَم أو جامِعاً للأبيات الشعريّة وحافِظاً لها، بل هو فاعل في الارتقاء بالذائقة البشريّة، وصانع لرؤىً مستنيرة توسِّع آفاقَ المتلقّي، وتَعمل على حلّ معضلاته الاجتماعيّة والإنسانيّة والوجوديّة والفلسفيّة...إلخ. لقد باتَ المتلقّي اليوم أشدّ مَيلًا إلى الخطابات التي تَجمع بين الإلهام والتحليل، بين تقديم رؤية موسَّعة وبين الإسهام في حلّ المشكلات بطريقةٍ عمليّة. تُشير تقارير تحليليّة صادرة عن Harvard Kennedy School تَتناول المشاركة المدنيّة وقضايا الإعلام إلى أنّ المحتوى الإثرائي المُرتبط بحلولٍ واقعيّة، يُعَدّ من أكثر أنماط الخطابات تأثيراً في تشكُّل الرأي العامّ، وخصوصاً في البيئات التي تَمرّ بتحوّلاتٍ اجتماعيّة واقتصاديّة مُتراكِمة، لأنّه يَمنح المتلقّي مساحةً أعلى للتفاعُل والمُشارَكة والتأثير الذهنيّ والوجدانيّ والسلوكيّ. وهو نَوع من البرْمجة الفاعلة التي يَستخدمها المثقّف الرّاهن لإحداث تأثير حقيقي في مُجتمعه والعبور استطراداً إلى التأثير في مجتمعاتٍ أخرى. والمثقّف الذي يقدِّم حلولًا - ولو على مستوى التفكير والنقد - يَمنح الجمهور شعورًا بأنّ الثقافة ليست تَرَفًا، بل هي ضرورة حياتيّة واجبة. وهذا الدور العلاجيّ للثقافة، هو ما يُعيد للمجتمع اتّزانه في زمنِ المتغيّرات السريعة؛ إذ يَتحوّل المثقّف هنا إلى مرشدٍ فكريّ، يُساعد على قراءة المواقف بوعيٍ أعمق، وتقييمِ الأحداث بمنطقٍ بعيد عن التشنُّج أو التبسيط المُخِلّ. على مستوى الخليج في الفضاء الخليجيّ، تَبرز تجربةٌ لافتة في هذا المضمار، فلقد شهدتْ دولُ مجلس التعاون خلال العقد الأخير حراكًا ثقافيًّا واسعًا تداخَلت فيه أمداءُ الأصالة بأمداءِ الحداثة، وتوافرت بكثرة مؤسّساتٌ ومنصّاتٌ ثقافيّة وفكريّة، جعلتْ من المثقّف الخليجيّ أنموذجًا فاعلًا لجهة صنْع مُواكَبة ثقافيّة طليعيّة، لا تُفرِّط في الهويّة ولا تتخلّى عن التأثير الطليعيّ المطلوب. وبالفعل استطاعت شرائح من أجيال خليجيّة راهنة، على مستوى مفكّرين وكتّاب ومحلّلين سياسيّين وإعلاميّين وصنّاع محتوى ثقافي، تقديمَ نماذج تعبيريّة حديثة تَجمع بين قوّة اللّغة وعُمق الفكرة وسرعة اكتمال الوسيط ونضجه. نعم، لقد برزتْ في السعوديّة وسلطنة عُمان والإمارات والكويت والبحرين وقطر مؤسّساتٌ تعمل على تعزيز مثل هذا النمط من الثقافة؛ إذ أُقيمت منتدياتٌ فكريّة، ومراكز بحثيّة اهتمّت بتنظيم برامج إعلاميّة استضافَتْ وتَستضيف على منابرِها مفكّرين وبحّاثة مُعتبَرين قدّموا ويقدّمون أطروحاتٍ وازنةً حول التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. ولعلّ أبرز ما يُميّز النّخب الثقافيّة الخليجيّة اليوم، هو أنّ الفرد فيها لم يَعُد منفصلًا عن الإنسان العادي، بل باتا معًا جزءًا لا يتجزّأ من المشهد الناشط العامّ.. يَظهر هذا المثقّف/ الفرد في الإعلام التقليدي، كما في المنصّات الإعلاميّة النخبويّة، يُناقِش قضايا الناس اليوميّة من دون الخروج عن الرصانة والرؤية العميقة. وهذا الاتّجاه يَدعم ما ذَكرته تقارير «Arab Media Outlook» الصادرة عن «نادي دبي للصحافة» والتي تُشير إلى ارتفاع نسبة مُتابعة المحتوى الثقافيّ الخليجيّ بين الشباب العربيّ، خصوصًا في المجالات الفكريّة والتحليليّة، لما يتميّز به من نضجٍ في المناقشات التي تتوافق وأسئلة مشهديّات العصر وتطوّراته. وهنا نرى أنّ المُواكَبة في جوهرها، ليست ركضًا خَلف مساراتِ الحداثة أو مُسايرةً لموجات العوْلمة، بل هي وعي بقيمة العقل البشريّ وأهميّته الأُمميّة في البناء والإعمار والتنوير، وهذا ما يَرفع من منسوب الحاجة إلى ثقافةٍ عربيّة ديناميّة تقوم على مسايرة المواكبة في مُختلف مظاهرها من دون أن تكون منبتّة الصلة عن هويّتها وإرثها التاريخي. لذلك فإنّ المثقّف الذي يوائم بين اللّغة الرشيقة، والوسيط الرقمي، واحتياجات الجمهور، والوظيفة الإثرائيّة العلاجيّة، سيُحقِّق بالطبع معادلةَ المثقّف العصري الفاعل والوفيّ لعُمق ثقافته، وفي الوقت نفسه سيكون قادرًا على صنْع الحضور المتّسق مع روح عصره. وإذا كان عالَمُنا اليوم يعيش على إيقاعاتِ تحوّلاتٍ كبرى لا تتوقّف، من أبرزها مثلًا الذكاء الاصطناعي، فإنّ المثقّف العصريّ مُطالَب، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، بأن يكون عَيْنًا يقظة على المستقبل، وصَوتًا نافذًا في الحاضر، وجِسرًا ممتدًّا بين ماضٍ عريق وحاضرٍ مفعم بالتساؤلات المفصليّة. بذلك فقط تستعيد الثقافة دورها الحقيقيّ، كقوّة فاعلة في عمليّة تشكيل الوعي وحراك التطوّر، وتكون بالتالي نافذةً تُطلّ من خلالها المُجتمعات على مستقبلٍ أكثر وعيًا وتسديدًا لرؤىً حكيمة ومُتجاوزة. *كاتب من الكويت *ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرةلاعن مؤسسة الفكر العربي.