الدعوة إلى الله من أجل الأعمال، وأفضل الخصال وأحسن الفعال؛ لأنها أعمال متعدية للآخرين، وكل ما كان خيره وثمرته يصل للآخرين فهو أطيب، بدليل أن النبي صلى الله وعليه وسلم يقول: "أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ". ومن الناس من أصطفاه الله لنفع الأنام، وكان هذا النفع هو مفتاح لكل خير ومغلاق للشر، فهو رجل مبارك أينما توجهه فكل مساعيه وجهوده وخطواته مباركة، وهذا لا شك من توفيق الله عز وجل، ومن نيته الصادقة الخالصة التي تبتغي الأجور من الله عز وجل، ولا تطلب الشكر والمكافأة والجزاء من المخلوقين؛ لأن المخلوقين لا يملكون ضراً ولا نفعاً، فمالك الكون جل جلاله هو الذي بيده النفع والضرر والجزاء. من هؤلاء الأخيار الخلص الذين أوقفوا أنفسهم للتعليم والدعوة إلى الله عز وجل والوعظ والإرشاد والنصح والذين لهم في كل ميدان خيري نصيب وافر أنه الداعية والواعظ المصلح والمعلم المربي مفرح بن جبران المالكي -رحمه الله-، الذي رحل عن دنيانا في الثالث عشر من شهر رجب لهذا العام 1447ه، فقد كان أحد أركان الدعوة في جبال منطقة جازان، وله أيادٍ بيضاء في المجال التعليمي والثقافي والتنموي، فلم يكن مجرد داعية فقط بل كان سباقاً لكل ما من شأنه يدعم قريته حراز بالدائر بني مالك فهو قامة وطنية، يقول عنه ابنه الصحفي محمد بن مفرح المالكي في نبذته عن والده التي أرسلها إليّ ومنها استفدت في كتابة هذا التقرير قائلاً: لم يكن الشيخ مفرح جبران المالكي مجرد شخص عابر، بل كان نقطة تحول في المسيرة العلمية والدعوية في جبال منطقة جازان، مضيفاً أن له دور في إعادة نشاط العلم والدعوة في المنطقة، فانتشرت دروس العلم والمحاضرات في المساجد والجوامع بشكل كبير وكانت تتنوع في مضامينها ودارسيها. قيم وأخلاق ولد مفرح بن جبران المالكي -رحمه الله- عام 1379 ه في جبل حراز بالدائر بني مالك، وكانت البيئة التي ولد فيها وتربى بيئة دينية تهتم بالسلوك والقيم والأخلاق الكريمة، فوالده كان أحد الدعاة في المنطقة وهو إمام وخطيب لجامع جبل حراز، وكان من حسن توفيق الله عز وجل ومن حسن حظ شخصيتنا أن كان والده يحب العلم والعلماء والتعليم والدراسة، لهذا لما فتحت المدرسة الأولى في جبل حراز بالدائر، كان والده قد بادر بإدخال ابنه مفرح في هذه المدرسة النظامية يطلق عليها مدرسة خاشر والقهبة، ولم يكن في قرية شخصيتنا سوى هذه المدرسة، ولم يكن هناك مدرسة متوسطة أو مدرسة ثانوية لذلك اضطر إلى الرحلة إلى أبها وهو صغير سن، لكن ذو عقلية كبيرة ليست في مستوى عمره، واصل دراسته المتوسطة والثانوية هناك، وبعدها دخل كلية الشريعة فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ونال الشهادة الجامعية بعد أن نهل من العلوم الشرعية في هذه الكلية واستفاد من أساتذتها فتخرّج طالب علم، وكان من المتميزين في العلم، أحبه من عرفه، وقدره واحترمه، ورغبوا منه العمل في مدينة أبها لكنه آثر الرجوع إلى قريته التي ولد فيها ورغب أن يكون منار علم ودعوة وإضاءة لأهالي قريته التي كانت في قمة الحاجة إلى علمه ومعرفته التي اكتسبها بجده واجتهاده حينما كان يطلب العلم في كلية الشريعة مع مواصلة القراءة والإطلاع خارج أروقة الكلية. افتتاح ثانوية ووهب الله مفرح بن جبران المالكي -رحمه الله- التربية وليس فقط العلم الشرعي، ومن سعادة المرء ونجاحه في التعليم أو الدعوة أن يكون مربياً ثم معلماً أو داعية، فالمعلم إذا كان مربياً استطاع أن يؤثر في تلاميذه وأن يعرف أماكن القصور الأخلاقي والسلوكي، وكذلك القصور التعليمي، فكلا الجانبين مهم جداً ويكمل بعضه الآخر، وقد تعين شخصيتنا في المراحل الابتدائية فكان معلم في مدرسة الدائر الابتدائية ثم مدرسة نعامة ثم المرحلة المتوسطة، وكانت قرية المالكي تفتقر إلى مدرسة ثانوية، فطالب المسؤولين بافتتاح مدرسة ثانوية بقرية الدائر نظراً لكثرة التلاميذ، وقد لُبي طلبه، وافتتحت عام 1413ه بقسميها العلمي والشرعي، وتخّرج منها المئات من الطلبة، وكما قلت شخصيتنا صاحب مبادرات خّيرة، فهو لا يتوانى عن الأعمال العامة النافعة لقريته والمنطقة كلها، ثم بعد ذلك عًين مشرفاً تربوياً، وقد أسّس مركز الإشراف التربوي التعليمي، فكان رأس العملية التعليمية بالمنطقة بعدما كانت في السابق والماضي القديم قرية ذات مدرسة ابتدائية واحدة، إذ أصبح بها مركزان للإشراف التربوي يشرف على المعلمين وعلى المدارس. مدرسة قرآن ومفرح بن جبران المالكي -رحمه الله- كما أنه معلم ومربٍ، فهو داعية وواعظ في مساجد بني مالك، وقد عُين مديراً لمركز الدعوة والارشاد في بني مالك، وقد استمر ذلك ثلاثة أعوام، وبهذا توسعت الدورات العلمية في المنطقة والدروس الفقهية والمحاضرات الدعوية، ومن حسنات شخصيتنا أن كان له دور واضح وجلي وعلني في تأسيس مدارس القرآن الكريم وفتح مدارس للتحفيظ بالمنطقة، ولعل للشيخ مفرح المالكي، الذي أسس بعض من مدارس التحفيظ، نصيبًا من أجور هؤلاء التلاميذ الحفّاظ، ونرجو من الله أن يكون ذلك في ميزان أجور شخصيتنا والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وحظى المالكي بثقة صاحب السمو الملكي أمير منطقة جازان سابقاً الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز، فتم تعيينه عضو في مجلس المنطقة لمدة ثمانية أعوام لدورتين متتالتين، وكلف بعدة مهام في لجان وكتب التقارير التي تهدف إلى دعم المنطقة تنموياً وبشرياً. والدي الثاني وقال حسن جبران المالكي -شقيق مفرح- عنه: «شهادتي فيه مجروحة -رحمه الله-، فمهما قلت فلن أوفيه حقه في جميع المجالات، فهو بمثابة والدي الثاني بعد والدي -رحمه الله-، فقد كان يهتم بكل شؤون حياتنا الأسرية ويسأل عن كل شيء داعماً معنوياً ومادياً وموجهاً ومحفزاً ومشجعاً، فهو من شجعني على العلم والدعوة وإلقاء المحاضرات والخطب، وكان يراجع معي ويتابع ما أحتاجه، كما أنه كان مرجعاً لي في الفتوى والمسائل العلمية والتفسير والحديث، لقد كان يكتنز الكثير من المعلومات وقارئاً جيداً وحافظاً العلم والهدي النبوي، ويسير على نهج السلف الصالح، كما كان له دور كبير في إكمال دراستي الجامعية حتى تخرجت معلماً، ولم استغني عن علمه وتوجيهه حتى توفاه الله». وقال الدكتور مفرح مسعود المالكي -مدير مكتب التعليم بالدائر-: «إن رحيل الشيخ مفرح المالكي هز نياط القلوب وأحزن القريب والبعيد، فقد كان الشيخ الجليل والزاهد الورع التقي النبيل حبيب الفقراء ومؤنس البسطاء ولم يكن صبيحة الجمعة الثالث عشر من شهر رجب للعام 1447 يوماً عادياً، فقد فجعنا بهذا الخبر العظيم وودعنا امام الزهد وشيخ الورع»، مضيفاً: «كان من سماته التواضع والوقار دثاره وحب الخير والدعوة إلى الله شعاره، عاش حياته طالباً للعلم معلماً للخير ومربياً على كل فضيلة، وناشراً للخير بالتوجيه والنصيحة، فكان صادقاً في وعظه موجزاً في كلامه مؤثراً في قوله وفعله، يحسن اختيار الألفاظ والمعاني لتستقر في القلوب قبل الأذان». بسيط التعامل وتابع د. مفرح مسعود المالكي: عرفت مفرح المالكي من ثلاثة عقود، فقد كان أستاذي الذي نهلت من معين خبراته وحسن توجيهاته عندما كنت معلماً ثم مشرفاً ثم مديراً لمكتب التعليم، فقد كان قدوة في سلوكه، بسيطاً في تعامله، سهلاً في توجيهه، سمحاً في عطائه، حكيماً في قراراته، متقناً لفنه وتخصصه، وليّن الجانب في كل أموره، وحسن الخلق مع جاره وزميله وصديقه ومع من عرفه ومن لم يعرفه، صاحبٌ في السفر يتعاهدك في كل وقت بالنصح والتوجيه والبذل والعطاء وتقديم الخير للناس والتفاني في أداء واجبك الوظيفي والاجتماعي، فسبحان من جمّله بالخلق الرفيع والمنطق المؤثر الجميل، والشيخ مفرح أجمع القاصي والداني على حبه والاقتداء به لصفاء نيته، وصدق منطقه، وعذب حديثه، وعظيم فقهه، وغزارة علمه، وسرعة فهمه، وحضور فكاهته، وجميل دعابته، وكريم عطائه، فاللهم ارفع درجته وأعلي منزلته وأحسن عزانا فيه والحمد لله رب العالمين. ومن ناحية أخرى، قال رئيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالدائر سالم بن حسين المالكي: «في زمن كثرت فيه المشاغل، هناك رجال لا يمرون في الحياة مرور العابرين، بل يتركون أثراً لا يمحى مع الزمن، ومن أولئك الشيخ مفرح بن جبران المالكي الذي نذر عمره لخدمة كتاب الله والدعوة للوسطية، فجعل القرآن مشروع حياته، ورسالة أيامه، ووصية قلبه، فكان للقرآن خادماً، وبالعلم عاملاً وبالأخلاق قدوة ومثالاً»، مضيفاً: «كان أحد الرجال المؤسسين للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالدائر، وعضواً فاعلاً في جمعيتها العمومية، وكان داعماً بماله ووقته ونفسه، يتنقل بين الحلقات من جبل إلى آخر، داعماً ومحفزاً ومذكراً، وهو رجل نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً ما عرف طريق الشهرة ولا طلب الأضواء، بل عرف طريق السجود الطويل والركعات الخاشعة والجلوس بين طلابه يعلمهم مخارج الحروف قبل أن يعلمهم معانيها، ويغرس في قلوبهم تعظيم كلام الله قبل أن يطالبهم بحفظه؛ لأنه كان يعلم أن من وقّر القرآن في قلب وتمثل في سلوكه وأخلاقه كان مواطناً صالحاً خادماً لدينه مطيعاً لولاة أمره في هذه البلاد المباركة الذين جعلوا القرآن دستوراً ومنهجاً وعملوا على خدمته وتحفيز الحافظين له، وليس على مستوى الوطن بل على المستوى الدولي». موجه ومحفز وأكمل سالم المالكي: «كان مفرح المالكي حليماً في صبره وتواضعه، وفي دمعة تنزل عند سماع آية، وفي ابتسامة تشجع طالباً ضعيفاً حتى يقوى، وفي كلمة طيبة تفتح مغاليق القلوب، ولم يكن مجرد مُعلم يلقن الحروف، بل مربياً يصنع النفوس قبل الأصوات، ويبني القلوب قبل الألسنة، جلس بين طلابه لأعوام طويلة يعلمهم كيف يتلى كلام الله، وكيف يعاش، وكيف يترجم سلوكاً وخلقاً قبل أن يكون حفظاً وترتيلاً، وبرحيله فقدنا رجلاً كان داعماً للمعلمين موجهاً ومحفزاً للطلبة، وناصحاً ومشجعاً، ولكن عزاؤنا أن من علّم القرآن يبق أثره بعد موته حياً في صدور الرجال والنساء إلى قيام الساعة». وذكر سليمان آل زاهر أن مفرح جبران المالكي كان مدرسة في الدعوة والنصح والتربية والإرشاد المجتمعي، وكان متحدث لبق وفصيح اللسان، تستلذ بسماع حديثه، ولذيذ خطابه، وحسن استشهاده، فهو رجل بر وخير، ولا غرو، فهو صاحب الشيخ الفقيد حسن حسين الكبيشي، ولا يكاد يذكر أحدهما إلاّ ويذكر الآخر معه، لقد كان مفرح شاعراً رقيق المشاعر، وعذب الإحساس، جمعتني معه أصبوحة شعرية أحد الأيام، وكان يستطرد بالمدح، فتسمع منه كلمات تنساب عذوبة كعذوبة روحه وشعره». وفاء وكرم وقال محمد سلمان جابر الحرازي: «لم استطع الكتابة والتعبير عن ما فقدناه، كان معلمي وقدوتي ورفيق دربي في المهنة، والكلمات لا تفيه حقه، فالتواضع عنوانه، والوفاء والكرم والشجاعة والنبل من شيمته، والنور في وجهه وفي محياه وحضوره، وهو من طوع نفسه لخدمة الدين والعلم، ولم يجعل العلم والمنصب في خدمته، فقد كان معلماً ووكيلاً ومديراً ومشرفاً تربوياً وعضواً في جمعية تحفيظ القرآن ورئيساً لبعض الجمعيات، وإسهاماته في جميع اللجان الأسرية والمجتمعية والخيرية إماماً وخطيباً وعضواً في مجلس المنطقة بجازان لفترتين، كما أن أفضاله علينا كثيرة في التعليم والنصح والمساعدة والرأي السديد والتحفيز المستمر في العلن والخفاء، ولم ألحظ عليه في يوم من الأيام التضجر أو الهلع أو التأفف، لازمته في رحلات كثيرة للحرم المكي وفي رحلات ترفيهية وفي مناسبات اجتماعية وله قبول عند كل من عرفه، فهنيئاً له بهذه المحبة ورحمه الله وغفر له وأسكنه الجنة». وفي الختام أشكر الزميل محمد بن مفرح المالكي على تواصله معي وتزويدي بالنبذة والصور، وهذا من البرِّ والإحسان إلى والده بعد رحيله، وإحياءً لذكراه. اشتهر بالصدق في الوعظ والإيجاز في الكلام مدرسة خاشر والقهبة أول مدرسة في بني مالك وكان المالكي بأول دفعة لها محمد بن مفرح المالكي إعداد- صلاح الزامل