«المنطقة التاريخية».. قرون من التحولات في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. في قلب الحجاز، وبين طيات جباله التي عانقت السحاب، يقف مركز مدينة الطائف التاريخي شاهدًا على قرون من التحولات، وناقلًا لذاكرة المكان والزمان وما فيها، حتى اصطفت الأزقة جملاً من قصيدة قديمة، وأحداثاً في رواية خالدة، وعبرت برائحة الورد وجمال الغيم وصلابة الجبال أبهى صورة لمدينة تسكن الجبال، وجبال سكنها الجمال. هنا في طائف الورد، وأجمل باقات السرد، تلوح نوافذ البيوت برواشينها أعيناً تتأمل التاريخ من عليائه، وتصافح الموروث بكبريائه. وفي هذا الركن من الوطن، ومعًا نتشارك صور الماضي بعدسة حجازية، لا تهدينا من القديم إلا بقدر ما تعطينا من الإلهام للجديد. السور والباب ارتكزت هوية المركز التاريخي للطائف على وجود سورٍ عريق، بُني عام 1214ه من الحجر واللَّبِن، صمد قرابة 150 عامًا، حاميًا ثلاثة أحياء رئيسة هي: فوق، وأسفل، والسليمانية. شكّلت هذه الأحياء نسيجًا متماسكًا من المساكن والأسواق والمساجد، تنامت مجتمعاتها على محيط قرية الهضبة، وامتدت بمرور الوقت لتُكوّن المنطقة التاريخية بكل ما تحمله من أصالة. كانت هناك ثلاث بوابات رئيسة للسور، لكل منها مكانتها ووظيفتها: باب الريع، الذي يقع في الجهة الغربية، وباب العباس في الجهة الجنوبية الشرقية، وباب الحزم في الشمال. لكل باب ذاكرته الخاصة، وموقعه الذي يقود إلى حارة أو سوق أو قلعة. كانت البوابات بمثابة مفاتيح للمدينة، تفتحها الشمس صباحًا لاستقبال الزائرين، وتغلقها الحراسة مساءً على طمأنينة سكانها. وقد بقي السور محافظًا على كينونته حتى عام 1367ه، حين أُزيل بفعل التمدد العمراني. إلا أن أثره باقٍ في الأسماء والمواقع، وفي روايات المؤرخين وأهالي الطائف الذين لا تزال ذاكرتهم تحفظ تفاصيل تلك البوابات، ونقاط التقاء الأزقة عندها، والأنشطة اليومية التي تدور حولها. نبض الأحياء تعدّ أحياء فوق، وأسفل، والسليمانية من أشهر أحياء الطائف القديمة داخل السور. حي فوق يقع خلف باب الريع، مطلًا على ضاحيتي السلامة والمثناة، تتخلله الأزقة المتعرجة والمنازل المتلاصقة، ومسجد باعنتر الذي يعلو الهضبة، فيما حي أسفل يمتد شمال باب الحزم، ويعدّ من أكبر الحارات سكانًا، وهو مسكن للأشراف والأمراء في فترات سابقة، يحتضن العديد من البرحات، ومن بينها برحة الزرقي وسوق البلد. أما حي السليمانية، فكان في الركن الجنوبي الشرقي داخل السور، وضم بيوتًا عديدة، منها منازل قديمة وأزقة ومعالم، وقد شهد حي السليمانية توسعة كبيرة عام 1403ه، أدت إلى إزالة معظم مبانيه وأسواقه. ومع توسع المدينة، تحولت تلك الأحياء من مناطق سكنية إلى أحياء تجارية مركزية، تحافظ على الطابع التاريخي في الملامح العامة، رغم تغيّر الأدوار الوظيفية للبنية. منارات العلم لطالما كان الدين والعلم متلازمين في بنية الأحياء القديمة، وقد تجلّى ذلك بوضوح في وفرة المساجد وتنوّع أدوارها. مسجد العباس من أقدمها وأشهرها، أُسّس في عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسي، فوق الهضبة، وجُهّز بأربعة أروقة، ومنبر خشبي مكوّن من عشر درجات، ومحراب رخامي دقيق. كان للمسجد أثرٌ تعليمي بارز، إذ استقطب علماء أداروا حلقات علم فيه، خاصة في رمضان، وكان محطة للحجاج. أما مسجد الهادي، فبُني عام 1050ه في برحة القزاز، وامتاز بصهريج لتجميع مياه الأمطار، ليكون بذلك نموذجًا فريدًا من المساجد التي تدمج بين الوظيفة الدينية والبيئية. وعلى امتداد الأحياء وُجدت مساجد كثيرة، منها: مسجد الريع، ومسجد الهنود، ومسجد بن عقيل السقاف، ومسجد شمس، جميعها حظيت بأوقاف سخية، جعلت من بيوت الله ركائز في البنية العمرانية والروحية. تشكّل هذه المساجد معمارًا ذا طابع متفرد، يتراوح بين البساطة والوظيفة، وبين الجمال والروحانية، مما يجعلها صفحات مفتوحة من سيرة مدينة لا تتكرر. "برحة" وسوق يُعدّ مركز الطائف التجاري من أكثر ملامح المدينة ثباتًا في هويته ووظيفته، حيث حافظ على دوره كمركز تجاري حيوي في قلب المدينة. تضم المنطقة أسواقًا عديدة، منها: سوق الخميس، سوق الهجلة، سوق البلد، سوق خان الملطاني، وتنتشر المحلات والدكاكين على أطراف البرحات، مثل: برحة مسجد الهادي، برحة الزرقي، برحة ابن العباس، وغيرها. وكان باب الحزم مدخلًا رئيسًا لهذا السوق، فمنه يرى الزائر البضائع الممتدة، والحرفيين والباعة يعرضون منتجاتهم، من الحديد والخردوات إلى الفواكه والخضار والمفروشات. وقد سكنت هذه البرحات روح الطائف التجارية، وكانت مسرحًا للحياة اليومية، حيث تتقاطع الأصوات والحكايات والروائح والمشاهد، مما منح المدينة طابعًا ديناميكيًا لا يزال ماثلًا وشاهدًا حتى اليوم. تُظهر هذه الأسواق ذكاء التخطيط المكاني القديم، حيث تداخلت الأنشطة التجارية والسكنية والدينية، في شبكة متقنة من الزوايا والأزقة، ميسّرة للحركة، وملهمة في هندستها. المواقع الحصينة عند باب الريع، تقع إحدى القلاع المهمة، التي كانت مشيدة فوق هضبة مرتفعة، متصلة بسرداب سري مع قلعة القشلة، وكانت نقطة مراقبة ودفاع، تُطل على الأحياء، وتحكم السيطرة على مداخل المدينة. وقد هُدّمت القلعة تدريجيًا مع تطورات المدينة، خصوصًا في عامي 1380ه و1392ه، ضمن مشاريع التوسعة البلدية. ورغم زوالها، بقيت أجزاء منها حاضرة في الذاكرة العمرانية، وتشير بعض الحجارة المتناثرة في المنطقة إلى موضعها. الامتداد والتحول العمراني بمساحة كانت تُقدّر ب1.5 كم2، شكّل المركز التاريخي قلب الطائف النابض. ومع إزالة السور، شهدت المنطقة توسعًا عمرانيًا واسع النطاق، أدى إلى تحول جذري في نمط الحياة والاستخدامات، من السكني إلى التجاري. وباتت الأحياء المحيطة، مثل قروى، المثناة، السلامة، معشي، العزيزية، تشكّل الامتداد الطبيعي للمدينة. كما انتقلت أنشطة صناعية ومهنية إلى خارج المركز، واحتفظت المنطقة المركزية بدورها كمركز تجارة وعبور. ومع الوقت، أُنشئت شوارع جديدة، وتوسعت الخدمات البلدية، فازدهر سوق شبرا، وبرز شارع الملك فيصل كمعبر رئيس، وامتد شارع السلامة ووادي وج ليحتضن أحياءً جديدة. وقد تميّزت المنازل في المركزية بأسلوب معماري خاص، اعتمد على الأحجار الطبيعية، والرواشين الخشبية ذات الزخارف، ومراعاة القرب بين البيوت لتسهيل التواصل والحماية. كان التخطيط البشري إنسانيًا، ينبع من حاجة الناس للتقارب، وللعيش المشترك في نطاق آمن وفعال. روح المكان باقية في خضم التحولات العمرانية، بقيت الطائف القديمة عنوانًا للهوية، ومعجمًا مفتوحًا لقراءة الماضي، بمعرفة متجذّرة. تلك الأزقة والبرحات، الأبواب والمساجد، الأسواق والبيوت، تحمل طبقات من القصص والحكمة، وتعكس نمط عيش متكامل، رُسم على مهل، بيد من أحب المكان، وخطط له كما تكتب القصائد. المركز التاريخي لمدينة الطائف لا يزال حيًا، يتنفس من حجارة جدرانه، ومن بقايا أسواره، ومن أسماء الأحياء التي ما فتئت تُتلى على ألسنة الأجيال. هو درس مفتوح في العمارة، وفي الاجتماع، وفي فقه المدينة. من فوق الهضبة حتى برحة الزرقي، ومن سوق الخميس إلى محراب العباس، يمتد المكان شاهقًا، ماجداً، ملهماً، تماماً كمن يعيش هناك. اعداد : رياض عبدالله الحريري