في ظل غياب المفهوم الصحيح للإدارة لا زلنا نشاهد ذلك السباق المحموم نحوها، فقلة هم من يدركون أن الإدارة علم قائم بحد ذاته، وأنها أمانة تبرأت منها السموات والأرض والجبال. وإن الإدارة تكليف وليس برستيج أو تشريف كما يحسب البعض ويعتقدها آخرون. لذلك يفترض أن يكون كل مرشح أو مكلف مؤهل لها قبل أي شيء، و في حال كلف بها يفترض التنحي عنها عند إدراكه أو شعوره بالتقصير وعدم القدرة على حمل تلك المسؤولية. الإدارة تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة، فهي تحقيق لجهود الفريق أو المؤسسة بأكملها، بمعنى أنها تتويج لأعمال الفريق، لذا يفترض رفع مؤشرات الحرص والاهتمام هنا، فالإدارة تعني أهم العمليات التي يتم القيام بها في أي مؤسسة أو منظمة، الأمر الذي يدعو إلى استغراب ذلك السباق المحموم نحوها، ومقت أولئك الذين يحلمون بذلك الكرسي ويقاتلون لأجله دون أن يكترثوا لأي تجاوزات أو تنازلات يقدمونها في سبيله، ولا يقفون أمام أي خطوط حمراء، وللأسف لا مكان للكفاءة والتميز في ذلك السباق المحموم، فقد أسقط العرف هنا بشكل أو بآخر وتغاضوا أو تجاهلوا القاعدة التي تقول: الكفاءة أولا. حتى فقدنا الثقة في أن لكل مجتهد نصيباً. وفي زمن الواسطة والمحسوبية ضاقت بها الكتب والمجلدات فقط، وفي الحياة بأسرها تقريبا لم تعد تجد لها مكانا، ونتيجة لذلك أضعنا أو فقدنا الكثير من المكتسبات وحرمنا أو أحرقنا العديد من المواهب والكفاءات، فالمحسوبية هي أقوى الحاضرين هنا، والبطل الأوحد تقريبا لهذا المشهد، فقد بسطت نفوذها حتى أنها أقصت الكفاءة والتميز بالضربة القاضية، لذلك يتكرر المشهد أمامنا فنرى ونشاهد من هم في وادٍ والإدارة في واد آخر، ولعل من نتائج ذلك عدم التقدم والاستقرار بل واهتزاز الثقة وتراجعها. انعدام المعايير المنظمة لهذا الأمر أثر كثيرا كثيرا، فلا تسليم أو استلام يكفل استمرار العمل بسلاسة أو البدء من حيث انتهى الآخرون، الأمر الذي فتح الباب لكل أمة جاءت لتلعن أختها وتحّملها كل وزر وجريرة انعدام الاستقرار الإداري أو لنقل الأمن والثقة في عدالة المنافسة ما أضاع العمل، وأعاق أو كبّل يد الكفاءات التي تريد أن تخطط وتعمل، أو لديها ما تريد أن تقدمه، لذا نشاهد اليوم في بعض المؤسسات فقط إدارة أزمات أكثر من أي شيء آخر، فليس هناك مجال للتخطيط و جدولة الأعمال. وحتى تكون هناك لفتة جادة أو تنظيم مميز في هذا المسار سنستمر في خندق المجهول نفقد مكتسبات ونضيع أو نحرق كفاءات.