المتاحف من أهم المؤسسات الحضارية في العالم، إذ تمثّل الذاكرة التاريخية للشعوب، والمساحة التي تُعرض فيها منجزات الإنسانية الفنية والثقافية عبر العصور. ومن خلالها تُبرز الدول تاريخها، وتؤكد عمق حضارتها، وتمنح الجمهور فرصة مباشرة للتفاعل مع التراث الإنساني المشترك. ولأن المتاحف مؤسسات مفتوحة للعامة، فإن أي اعتداء عليها، سواء بالتخريب أو السرقة، لا يُعد خسارة وطنية فحسب، بل خسارة للإنسانية جمعاء. وفي هذا الإطار، أعادت حادثة سرقة في متحف اللوفر بباريس عام 2025 تسليط الضوء على خطورة استهداف المتاحف، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر لإتاحة الثقافة والفن لعامة الناس. سرقة اللوحات الفنية من أخطر الجرائم الثقافية المرتبطة بالمتاحف، نظرًا للقيمة الرمزية والتاريخية للأعمال المسروقة. فلوحة الموناليزا للفنان ليوناردو دافنشي، التي سُرقت عام 1911 من متحف اللوفر، تُعد المثال الأشهر عالميًا. وعلى الرغم من استعادتها بعد عامين، فإن الحادثة كشفت مبكرًا هشاشة حماية التراث الفني. ومن أكبر السرقات التي لم تُحل حتى اليوم، سرقة لوحات متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في بوسطن عام 1990، حيث سُرقت ثلاث عشرة قطعة فنية تُقدّر قيمتها اليوم بأكثر من 500 مليون دولار. وتُعد لوحة عاصفة على بحر الجليل للفنان رامبرانت أبرز تلك الأعمال، وهي اللوحة البحرية الوحيدة المعروفة له. ولا تزال هذه الأعمال مفقودة حتى اليوم، في واحدة من أكثر القضايا غموضًا في تاريخ الفن.كما تعرّضت لوحة الصرخة للفنان النرويجي إدفارد مونك للسرقة أكثر من مرة، كان أشهرها في عامي 1994 و2004 من متاحف أوسلو. ورغم استعادتها لاحقًا، فإن تكرار سرقتها يعكس حجم الإغراء الذي تمثله الأعمال الفنية الشهيرة للعصابات الإجرامية، ويكشف في الوقت ذاته عن التحديات الأمنية التي تواجه المؤسسات الثقافية الكبرى. ولا يمكن إغفال مصير لوحة صورة شاب للفنان رافائيل، التي سُرقت خلال الحرب العالمية الثانية، وتُعد من أغلى الأعمال الفنية المفقودة حتى اليوم، إذ يُقدّر ثمنها بمئات الملايين من الدولارات، فضلًا عن قيمتها التاريخية المرتبطة بعصر النهضة الأوروبية. ومن اللوحات المسروقة في العالم العربي لوحة زهور الخشخاش للرسام العالمي فان غوخ، التي رسمها عام 1887م، وقد سُرقت من متحف محمد محمود خليل في القاهرة عام 2010. والمفارقة أن اللوحة نفسها كانت قد تعرّضت للسرقة عام 1977، ثم عُثر عليها في الكويت بعد ذلك بعشر سنوات. وتُقدَّر قيمتها السوقية اليوم بأكثر من 55 مليون دولار. خطورة سرقة اللوحات الفنية لا تكمن في قيمتها المالية فقط، بل في إخراجها من المجال العام وحرمان الملايين من رؤيتها والتفاعل معها. فاللوحات المسروقة غالبًا لا تُعرض ولا تُباع، بل تُخفى داخل شبكات إجرامية مغلقة، ما يُفقد المتاحف دورها التنويري، ويقطع الصلة بين الإنسان وتاريخه. وعليه، فإن حماية المتاحف واللوحات الفنية مسؤولية دولية مشتركة، تتطلب تعاونًا أمنيًا وتشريعيًا وثقافيًا واسعًا. فكل لوحة تُسرق من متحف مفتوح للعامة تمثّل خسارة لحق الإنسان في المعرفة والجمال، واعتداءً مباشرًا على الذاكرة الحضارية المشتركة للبشرية.