الهروب النفسي لا يبدأ فجأة، ولا يأتي من فراغ. غالبًا يتسلل بهدوء، كضيف خفيف في البداية، ثم يتحول مع الوقت إلى ملاذ ثابت يلجأ إليه العقل كلما ثقل الواقع. كثيرون لا ينتبهون له إلا بعد أن يكتشفوا أنهم يعيشون في خيالهم أكثر مما يعيشون في حياتهم. من موقع الخبرة العلاجية، أستطيع القول إن الهروب النفسي ليس علامة ضعف، بل إشارة واضحة إلى أن النفس وصلت إلى حدٍّ لم تعد فيه قادرة على الاحتمال بالطريقة المعتادة. حين يضيق الواقع، يبحث العقل عن مساحة أوسع، وحين تقل الخيارات، يصنع لنفسه عالمًا لا يرفضه ولا يؤلمه. في هذا العالم الخيالي، يصبح كل شيء ممكنًا. كلمات لم تُقال، مشاعر لم تُفهم تُحتوى، نجاحات لم تتحقق بسهولة. هناك لا يوجد تأجيل ولا خيبة، لا خوف من الفشل ولا قلق من الخسارة. ولهذا يشعر الإنسان براحة مؤقتة، كأن عقله يقول له: «تعال هنا قليلًا.. فقط لتلتقط أنفاسك». المشكلة لا تكمن في هذه الزيارة العابرة. الخيال في حد ذاته قدرة إنسانية جميلة، وهو جزء من الإبداع والتخطيط والأمل. المشكلة تبدأ حين يصبح الخيال هو الحل الوحيد، وحين يتحول من استراحة قصيرة إلى هروب طويل. عندها يبدأ الواقع بالبهوت، وتصبح العودة إليه أثقل من ذي قبل، ويزداد الفرق بين ما نعيشه وما نتخيله، فيتضاعف الألم بدل أن يخف. كثير ممن يعانون الهروب النفسي يعيشون صراعًا داخليًا صامتًا. جزء منهم يستمتع بالخيال، وجزء آخر يلوم نفسه عليه. يشعرون بالذنب لأنهم «لا يواجهون»، وبالعجز لأنهم لا يعرفون كيف يتوقفون. وبعضهم يخفي الأمر تمامًا، خوفًا من أن يُساء فهمه أو يُتهم بالكسل أو عدم النضج. لكن من منظور نفسي، الهروب النفسي هو رسالة. رسالة تقول إن هناك احتياجًا لم يُلبَّ، أو ألمًا لم يُعالج، أو شعورًا لم يُسمَح له بالخروج. العقل لا يهرب عبثًا، بل يهرب، لأنه لم يجد طريقة أخرى تحمي صاحبه من الانهيار. وهنا من المهم أن نقول بوضوح: محاولة إيقاف الخيال بالقوة نادرًا ما تنجح. الضغط على النفس، أو جلد الذات، أو تجاهل الأسباب الحقيقية، لا يعيد الإنسان إلى الواقع، بل يدفعه للهروب أكثر. ما يعيد التوازن هو الفهم، ثم الدعم، ثم التعلم التدريجي، لمواجهة الواقع بطرق أكثر أمانًا. في العلاج النفسي، لا نتعامل مع الهروب النفسي كعدو، بل كدليل. نستمع لما يقوله، ونفهم الظروف التي صنعته، ونساعد الشخص على بناء بدائل صحية: تعبير صادق عن المشاعر، حدود أوضح، احتياجات مسموعة، وخطوات صغيرة واقعية بدل أحلام بعيدة ترهق صاحبها. طلب المساعدة من مختص نفسي ليس فشلًا، وليس دليلًا على ضعف الشخصية. على العكس، هو قرار شجاع بالاعتناء بالنفس قبل أن تُستنزف أكثر، وهو اعتراف ناضج بأن بعض الأحمال لا ينبغي أن تُحمل وحدك. إذا شعرت يومًا أن خيالك أصبح ملاذك الوحيد، أو أن الواقع لم يعد يُحتمل دون الهروب منه، فتوقف قليلًا، لا لتلوم نفسك، بل لتسألها: ماذا أحتاج؟ وما الذي لم أجد من يسمعه؟ الهروب النفسي ليس نهاية الطريق، بل علامة على أن الوقت قد حان لتُمسك بيدك، أو تسمح ليد مختص بأن تمسك بك، وتعود إلى الواقع.. لا بالقسوة، بل بالرحمة.