يواصل الأمير ناصر بن فهد بن فيصل بن تركي الفرحان آل سعود شهادته التي يقدمها للتاريخ على عملية إخلاء جهيمان العتيبي وأتباعه من الحرم المكي مطلع عام 1420ه (1979)، وبعد أن شرح في الحلقة الأولى كيف تلقى مهمة الالتحاق بالحرم وفكر بطريقة لإخراج جهيمان وأتباعه من قبو الحرم المكي حيث تحصنوا، يواصل اليوم شهادته، متطرقاً إلى الأحداث التي تلت وصوله إلى مكةالمكرمة. قوة مهمة اقتحام وإخلاء الحرم يقول الأمير ناصر «فجر يوم 11 محرم 1400 الموافق 30 نوفمبر 1979، يوم دخولي داخل أروقة الحرم، كان الجنود التابعون لقوات إخلاء وتطهير الحرم موجودون بكثافة من جهة منطقة باب السلام إلى منطقة المسعى، وكانوا موزعين إلى ثلاث فرق كما بدا لي حينها. الفرقة الأولى من القوات البرية (الجيش)، وتوجد ما بين باب السلام إلى باب العمرة، وما بين باب العمرة إلى باب الملك توجد قوات من الأمن العام التابع لوزارة الداخلية. أما ما بين باب الملك وباب الصفا جهة المسعى فتوجد قوات من الحرس الوطني. وكل قوة كانت في حدود تعداد فوج واحد كما قدرت حينها. كانت حالة من الازدحام الشديد وشيء من الارتباك داخل الأروقة، وكان تبادل إطلاق النار من هنا وهناك، ونظرت للوضع أمامي، وشاهدت كثافة الأعمدة، وقدرت حينها أننا أمام وضع صعب للغاية، وأن الحالة بالقبو قد تكون أشد صعوبة. أعمال في القبو أخبرني اللواء فالح والعقيد محمد أنه، وقبل اقتحام الحرم، هناك أعمال مدنية وحفريات تجري بالقبو، وتنفذها شركة بن لادن للمقاولات. طلبت من اللواء فالج تكليف بن لادن لتزويدي بمخططات قبو الحرم فورا، ومع بزوغ الشمس كانت المخططات بيدي، وبعد الاطلاع عليها ودراستها مبدئيا ذهلت، نظرا لحجم التعقيدات الهندسية بالقبو، وكأن قبو الحرم صمم ليكون قلعة عسكرية شديدة التحصين. طلبت إفادتي عن خطة الهجوم القائمة، وأفادوني أن الخطة ترتكز حالياً على ضخ الغازات التي أشار بها خبراء فرنسيون، موجودون بالطائف، لإجبار من بالقبو على الخروج، وأن الفرنسيين أشاروا بأنه في حالة فشل إخراجهم بالغازات فإنه يلزم تعبئة أرض القبو بالماء ثم كهربته، وكل هذا يدل على جهل الفرنسيين بالحرم وحجمه وهندسته، وأن توصياتهم تتم عن بعد دون معرفة بتفاصيل الموقع، حيث لم يسمح لهم بالوصول إلى مكة، وقد وصلت الحالة الميدانية إلى شيء من الركود، ولذا أوصيت بصرف النظر عن تلك التوصيات وإيقافها، حيث إن الغازات كانت تلقى بالقبو ولعدة أيام سابقة ولكنها لم تجد نفعا. واتفقت مع اللواء فالح والعقيد محمد على ضرورة إخلاء أروقة الحرم من الجنود حتى نتمكن من إدخال معداتنا والحركة دون إعاقة، والاستعداد لتنفيذ خطة المطاردة، وفعلا تم ذلك وتمركزت القوات البرية (الجيش) خارج الحرم ناحية باب السلام، وتمركزت قوات الحرس الوطني خارج الحرم ناحية باب الصفا، واستمرت الوحدات المكلفة في رصد السلالم المؤدية إلى القبو بمهامها. دخول المعدات يتابع الأمير ناصر»قمت وزملائي بإدخال معداتنا إلى داخل الحرم، الرواق الأرضي، وبدأنا بالتحضير للعمل، وقررنا أن نبدأ من جهة باب السلام، نظرا لأهمية المداخل من تلك الجهة، وخصوصا لوجود منحدر للعربات يساعد في دخول عربات مدرعة، ونظرا لوجود الغازات والأدخنة قمنا بلبس الأقنعة المضادة للغازات حتى نستطيع العمل والحركة. وبسبب كثافة الغازات المتصاعدة من القبو فقد كانت حركتنا صعبة للغاية، ولذا طلبت بسرعة إيقاف الغازات، وقد تم ذلك، وبدأنا بالعمل فورا. قمت وزملائي بمسح سريع لأروقة الحرم، للتعرف عليها ومطابقتها مع المخططات التي بين أيدينا، كما قمنا بتفقد لمجاري السيول والآبار المحيطة بالحرم لمعرفة إن كان لها مداخل إلى القبو. هندسة قبو الحرم يستمر الأمير ناصر في شهادته «تم تصميم قبو الحرم بعناية ودقة ليخدم المؤمنين المعتكفين، ليخلوا مع أنفسهم لأيام وأشهر أو نحو ذلك، والتفرغ للعبادة، ولم يخطر في بال المصمم أنه سيستخدم يوما لأغراض إجرامية. وسأحاول إلقاء الضوء على بعض التفاصيل الهندسية، وبالأخص تفاصيل القبو وتصميمه الهندسي، لعل ذلك يشرح مدى الصعوبة التي واجهت القوات أثناء العملية. يتكون الحرم من أروقة علوية وأرضية وقبو، وتحيط بالكعبة من كافة الجهات، وكان للحرم أبواب رئيسية تعرف باسم باب السلام وباب العمرة وباب الملك وباب الصفا، وهناك عدة أبواب فرعية أخرى توصل مباشرة من خارج الحرم إلى الرواق الأرضي والقبو، كما أن هناك منحدرا للعربات من الخارج إلى القبو، وآخر من جهة المطاف، يضاف إلى ذلك عددا من السلالم المؤدية من القبو إلى الدور الأرضي والعلوي والمطاف. وحين اقتحام الحرم كان هناك أعمال مدنية وحفريات تنفذها شركة بن لادن، وقد تم تعديل وتحسين القبو بعد الحادثة. وحينذاك كان يبلغ عرض القبو خمسين مترا تقريبا، وإجمالي طوله بحدود 500 متر، وقد تم استخدام المنحدر الخارجي لإدخال الرجال والشاحنات والعربات التي تحمل المؤن والذخائر من قبل جهيمان وأتباعه، تحت غطاء حركة معدات المقاول، الذي يعمل في تطوير مجرى تصريف سيول جديد. ويحمل السقف أعمدة كثيرة، ويبلغ عرض العمود مترا واحدا أو أكثر، منها الدائري والمربع وأخرى على شكل زاوية، وقد وفرت غطاء ساترا وواقيا أثناء تحركات أتباع جهيمان، والمسافة بين العمود والآخر نحو ستة أمتار، وهناك غرف جانبية على محيط القبو والمسعى، وخصصت لغرض الاعتكاف، وتسمى الخلوات، وتختلف مساحة الخلوات، ولكن الأغلب كانت 6×6 م، ويصل عدد تلك الخلوات إلى أكثر من 150 خلوة، وقد استخدمها جهيمان وأتباعه أفضل استخدام لصعوبة الوصول إليها أو رؤية من بداخلها، وأمام تلك الخلوات كان يوجد ممر بعرض مترين تقريبا، وجدار ساتر بارتفاع 5.1 أمتار على الجانب الآخر من الممر، وقد تم استغلال هذا الممر للتحرك من جهة لأخرى بسهولة داخل القبو، من منطقة باب السلام إلى منطقة المسعى. وتحت هذا الممر يوجد أنبوب كبير لغرض تصريف مياه السيول، وللمصرف فتحات عدة، وقد استغلوا تلك الفتحات للنزول داخل الأنبوب والتحرك داخله، إضافة لذلك كله كان هناك خندق مفتوح على الجانب الآخر من القبو، تعمل به شركة بن لادن حينها لإنشاء مصرف للسيول أكبر سعة من المصرف الآخر، وفي وقت الحادثة كان معظمه عبارة عن خندق مفتوح، أما تحت الأبواب الرئيسة للحرم، داخل القبو، فيوجد مساحات كبيرة متداخلة مخصصة للأعمال الإدارية، وجدرانها من الخرسانة المسلحة، وعلى جانبها من جهة الحرم يوجد منصة يستطيع من بداخلها رؤية أروقة الحرم بالدور الأرضي من الجانبين عبر شبابيك جانبية كبيرة. خطة وملحمة المطاردة يسترسل الأمير ناصر»في صباح يوم 11 محرم 1400، الموافق 30 نوفمبر 1979 وبعد أن أتممت وزملائي دراسة مخططات القبو، قمنا بإدخال معداتنا إلى الرواق الأرضي للحرم. وتبين لنا من دراسة المخططات مدى التعقيد داخل القبو من كثافة الأعمدة وحجمها، وتعداد الغرف المحكمة، والجدار الساتر لتلك الغرف، وأعمال الحفريات الموجودة بداخل القبو. شرحت لزملائي خطتي للعمل وأنها تحاكي خطة الجربعة. أما الجربعة، فإنها تتعلق بالجربوع البري، وهو حيوان صغير وذكي، وعند ما كنا صغارا كانت إحدى الهوايات الشائعة للصغار هي الجربعة، وتتمثل في تحدي الجربوع ومطاردته والإمساك به. ولأن الجربوع بفطرته يسعى إلى تأمين السلامة لنفسه، فإنه يقوم بعمل أنفاق تحت الأرض تمتد من جحره الرئيس إلى عدة اتجاهات ويصعد بها إلى قرب سطح الأرض، وإن شعر بأي حركة على سطح الأرض فإنه يتجه إلى نفق آخر ليهرب منه، وكنا نستخدم عصا مدببة الرأس ندق بها الأرض بمنطقة الجحر لغرض اكتشاف الإنفاق وإقفالها لإجبار الجربوع على التوجه للاتجاه الذي نريده، ونكون جاهزين للإمساك به. البدء بالجربعة يكمل الأمير ناصر «قررنا البدء فورا من جهة منطقة باب السلالم نظرا إلى أن هناك منحدرا للقبو يسمح بدخول العربات، ومن هناك بدأت المرحلة الأولى للمطاردة، على أن يكون هدفنا مطاردة ودفع كل من هو موجود بالقبو، تحت تلك المنطقة، للتحرك بالاتجاه الذي نريده، وذلك بحرمانهم من استخدام تلك المساحة والتحرك باتجاه منطقة باب العمرة. وهذه المرحلة استمر العمل بها إلى قرابة منتصف الليل، مع التنسيق المستمر مع قيادة القوات، وعند إتمام المرحلة قامت القوات بالدخول إلى القبو والسيطرة على تلك المنطقة، والانتظار. واتسمت هذه المنطقة بصعوبتها نظرا لوجود الخلوات الكثيرة، والانحناءات والزوايا، إضافة لذلك فإن المنحدر إلى القبو كان يقع بين غرف إدارية شديدة التعقيد في تصميمها، وكان لا بد من التعامل معها بعناية لضمان سلامة القوات عند نزولها للقبو، وقد تم ذلك بحمد الله. ثقوب في السقف يسترسل الأمير ناصر»باستخدام مخططات القبو التي بين أيدينا كنا نختار، ونحن فوق سطح القبو، المواقع التي نريد استهدافها بالقبو، ثم باستخدام جهاز الحفر بالصخور نقوم بحفر ثقب بالسقف بقطر 15 سم، وبعد إتمام الحفر واختراق السقف يتم إسقاط عبوة متفجرة من خلال الثقب. وما زلت أحتفظ بعدة نسخ أصلية من تلك المخططات، مبين عليها علامات المواقع التي تم ثقبها. وما ينتج عن الثقب بعد اكتمال الحفر كان عبارة عن كتلة أسطوانية إما إن تسقط إلى أسفل أو تخرج مع رأس الحفر. وبانتهاء اليوم الأول هرب مشغل الحفار، وهو من جنسية عربية، وقد يكون سبب ذلك هو إطلاق النيران على موقعنا باستمرار، ولذا كان لا بد من أن أقوم وزملائي بالتناوب على تشغيل الحفار، وتحت الضغط من القيادة وما يمليه الموقف لم يكن هناك فرصة للتوقف عن العمل أو النوم على مدار ستة أيام، حتى انتهاء العملية. رصاص للأعلى يوضح الأمير ناصر "كان إطلاق النار على موقعنا من القبو يتم من خلال الثقوب التي نعملها، ولأن الثقب فتحة رأسية ضيقة فإن الرصاص كان يتجه لأعلى، وتعلمنا كيف نأخذ حذرنا، ولكن كان هناك مصادر أخرى لإطلاق النار على موقعنا ومواقع الجنود القائمين على السلالم، وكانت تشكل تهديدا وخطرا على التحركات بالرواق الأرضي، وتبين أن مصدر ذلك التهديد يأتي من الشبابيك التي تحت المداخل الرئيسية المؤدية للدور الأرضي من خارج الحرم، وكل مدخل كان يوجد تحته شباكان كبيران، يطل كل واحد منهما على جانب من الرواق الأرضي ويكشفه لمن هو خلف الشباك، وهو داخل القبو، وكان لا بد من التصرف بسرعة لحماية أنفسنا والجنود الموجودين بالرواق الأرضي، ولذا طلبت أن يجهز لنا صفيحة معدنية كبيرة، ( x120 x 240سم)، وأن يلحم بوسطها ماسورة طويلة وعلى وجه السرعة، وقد تم ذلك بأقل من ساعة، وطلبت من اللواء فالح الظاهري تأمين ما يقارب تعداده 140 جنديا، وأن يدخلوا إلى الرواق الأرضي، وقسمت العمل بينهم، بحيث تمسك المجموعة الأولى بالصفيحة بشكل رأسي، على أحد أجنابها، وباستخدام الماسورة كمقبض، ثم يتم دفع الصفيحة من أمام المدخل وبمحاذاة الجدار حيث يوجد الشباك، بحيث لا يرانا من بالداخل، ويستمر دفعها على جانب الجدار تدريجيا حتى تصل إلى الشباك وتغطيه بالكامل، لحجب رؤية من بالداخل، وفورا تعطى الإشارة للمجموعة الأخرى من الجنود للتحرك والتقاط أكبر عدد من السجاد، من على أرض الرواق، ثم وضعه على الصفيحة، وهكذا حتى يتم تغطية الصفيحة بالكامل، وسجاد الحرم من النوع الكبير والثقيل، وبعد التأكد من إتمام تغطية الشباك، وردمه بالسجاد بالكامل، يتم سحب الصفيحة من تحت السجاد. بهذا تم تأمين هذا الجانب من الرواق، بعد ذلك يتحرك الجميع لتكرار العملية على الجانب الآخر من المدخل، وقد تم تكرار هذا العمل على كافة شبابيك المداخل الرئيسة الأخرى، وبإتمام ذلك كانت كل الأروقة آمنة من إطلاق النار من القبو، وبعدها عدنا فورا لإتمام عملنا. الأمير ناصر يباشر العمل الهندسي في الحرم مطلع محرم فكرة الإخلاء اعتمدت على لعبة الجربعة التي يلعبها الصغار تم التركيز على مطاردة جهيمان وأتباعه وإجبارهم على الحركة في اتجاه محدد. تم حفر ثقوب في السقف أسقطت منها عبوات ناسفة استخدمت لوحة معدنية مصنعة وسجاد الحرم لمنع استهداف أتباع جهيمان للجنود