تُستخدم الطبقة العازلة في إنشاء الاستديوهات في الإذاعة والتليفزيون كي تؤمِّنَ التسجيل النقي والصافي من الأصوات التي تحدث خارج الاستديو، فتحافظ على جودة الصوت والصورة مما يُعيبهما، الذي نسميه في الإعلام «التشويش». كما تُستخدم الطبقة العازلة أيضاً في بناء البيوت والمباني الشاهقة كي تعزل البناء عن تقلبات الجو، بحيث لا يتم استهلاك التبريد -بهدر- صيفاً أو الحرارة شتاءً!. كما تُستخدم الطبقة العازلة في الأسقف لوقف تسرب الأمطار من خلال الشقوق إلى داخل البناء، فيما عُرف ب ((Water-proof)). وبذلك يظل البناء نقياً خالياً من الأصوات الخارجية أو الأمطار، ويوفر الأمان والهدوء والمال لساكنيه. في عالم السياسة توجد أيضاً (طبقة عازلة)، وهي التي تحيط بالمسؤول وتحمية وتعزل عنه ما يمكن أن يتعارض من الفكر السائد أو المزاج العام أو التوجه الأشمل لشكل المسؤولية !. وفي هذه الطبقة توجد إيجابيات وسلبيات معاً!؟. بل إن السلبيات قد تكون أضرّ للمجتمع؛ إن كانت الطبقة غير صالحة ولا تؤمن بحب الجماهير للمسؤول أو أنها تحاول توجيه المسؤول وجهة محددة تفرضها مصالح هذه الطبقة العازلة وأهدافها !. وحدّد فقهاء اللغة اسم هذه الطبقة ب (البطانة) !. التي -على يدها- يمكن أن تعمَّ الرحمة والخير والتآلف في المجتمع، كما أن على يدها يمكن أن يحلَّ التأزم والتأزيم، وخلق بؤر توتر بين المسؤول وبقية الناس، خصوصاً إن «عزلت» هذه الطبقة المسؤول عن آمال وتطلعات الجماهير ولم توصل له الأخبار بصورة صادقة، ولم تساعد الجماهير في إيصال صوتها إلى المسؤول. وفي الأثر، يوجد حديث لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يُخالِلْ». ويعني بذلك من يجالس ومع من يتحدث. وهذا يذكّرنا بالجليس الصالح (كحامل المسك) والجليس الطالح (كنافخ الكير)، وشتان بينهما. ومن أحاديث الرسول الكريم «ما من نبيِّ ولا خليفة إلا ويقع بين دواعي بطانتين، بطانة تأمرهُ بالمعروف وتحضّهُ عليه، وبطانة تأمرهُ بالشرِّ وتحضّه عليه». معلوم أن أفراد البطانة يتم اختيارهم من أهل العلم والصلاح، وهم الذين يقونَ صاحب القرار من الوقوع في الزلل، كما أن صلاح الدين والتقوى والأمانة من المعايير الأساسية للبطانة الصالحة. كما أن الخبث والدهاء والمنفعة المادية الشخصية والذوبان في شخصية الصاحب عكس ذلك. وما إن تُذكر البطانة في التاريخ الإسلامي، إلاّ وتبرز نكبة (البرامكة) في عهد الخليفة (هارون الرشيد) !. حيث كانت ل(البرامكة) حظوة كبيرة عند الخليفة، بل كان (يحيى بن مالك البرمكي) مسؤولاً عن تربية (الرشيد)، كما أن زوجته قد أرضعته !. لكن (الرشيد) فطن إلى خبث (البرامكة) واستحواذهم على الأمر وتدخلهم في شؤون الحكم بلا مبرر. وزاد من حنق الرشيد على (البرامكة) أن زوجته (زبيدة) ساءَها نفوذ (البرامكة) وأرادت أن تنتصر للعنصر العربي ضد العنصر المجوسي الفارسي، وتقنع (الرشيد) بولاية العهد للأمين، رغم أن الرشيد كان يتوسم النجابة ورجاحة العقل في ابنه (عبدالله المأمون). ولقد نزل الرشيد على رأي العباسيين وحجتهم بأن (الأمين) هاشمي الأبوين، إلا أن (البرامكة) استطاعوا أن يوغروا صدر (الرشيد) وأقنعوه بعقد البيعة لولاية العهد ل (المأمون) بعد أخيه (الأمين). واستاءت (زبيدة) كثيراً من ضعف دور الخليفة (الرشيد) وتنامي دور (البرامكة) وتغلغلهم في مراكز الدولة وأسَرّت للخليفة بذلك. فما كان من الأخير إلا أن جمعهم ذات يوم من عام 803 ميلادية وقبض عليهم وصادر دورهم وممتلكاتهم وأزال سطوتهم عن الدولة في ساعات. وهنا اكتشف (الرشيد) سوء اختياره للبطانة (التي عزلته عن الشعب) واقتنع بأن ما يقومون به ليس في صالح الخلافة ولا المجتمع، فعدل عن رأيه وحمى بلاطه وابنيه من فتنة مقبلة. لذلك نقول: إن البطانة أو الطبقة العازلة، تلعب دوراً مؤثراً في مجريات الأمور والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أي مجتمع. وهي التي تحدّد -في حالات معينة- القرارات الكبرى التي يتخذها المسؤول أو التوجهات العامة التي تُفرض على المجتمع لربما دون موافقته، ولربما لصالح فئة محددة من المجتمع. والبطانة إذا حصّنت نفسها بالإيمان القويم وقوة الرأي دون خوف أو تردّد أو محاباة أمام المسؤول وخلصت نياتهم تجاه جميع أفراد المجتمع دونما انحياز أو محاباة لفرع أو فئة من أفراد المجتمع، وكانت راجحة العقل في تنوير صاحب القرار ودونما نوازع دنيوية أو أيديولوجية، فإن صاحب القرار سوف ينعم بطمأنينة، ويصدر قراراته المناسبة التي يستفيد منها عموما الناس، والعكس بالعكس. الطبقة العازلة موجودة في أماكن عديدة وليست في دوائر الحكم فقط !. فكم من مسؤول «طوَّقَ» نفسه بهذه الطبقة التي حَجبت عنه كثيراً من الحقائق، وتأذى من تصرفاتها كثير من البشر، دونما علم أو لربما انتباه من المسؤول. لذلك، كما نُحسن «عزل» استديوهاتنا ومنازلنا وعماراتنا (ليست لدي عمارة)، من التشويش الفيزيائي، على المسؤول -أينما كان- أن يُحسن عزل نفسه عن البطانة التي أحياناً لا تكون في جانب الصالح العام، وتقيم جداراً عازلاً عالياً بين المسؤول وبين الجماهير التي تحبه وتدعو له يومياً بطول العمر!.