في البدء نصحه والده: لا تقتل حب الناس لك بالشكوى، ولكن لا تصمت عن حقك؛ ثم نصحته أمه: قطرة عرق تهبط وهي لا تأتي برغيف فتش عن غيرها. ربما كانت هذه الكلمات/ النصائح هي زاد الرحلة لعلي القاسمي؛ قبل أن يتأبط انكسارات الحياة، ويفقد بريق الجبال إلا من عينيه. الكتابة بلغة مغايرة للسائد الصحفي والإنشائي هي مهمة صعبة، ولا أبالغ إن وصفتها بالمغامرة؛ بيد أن العاشقين للضاد ينجحون دائماً في إيصال رائحة الكلمات للحفيين بالعطر والمطر، وسيُشكرون يوماً على صنيعهم عندما يعيد الناس اكتشاف روعة الشرب من النبع الصافي. أتوقع أن كثيرين نصحوا علي القاسمي بعدم إخراج كتابه (فوضاي) خوفاً من اللغة الفاخرة، ووجوهها التي تبرهن على اختلاف التفاسير للنص؛ هنا تتعلق المسألة بحجم الاستيعاب للعمل، وليس بقصف التابو، أو المتخيل أن قصفه هو هدف بحد ذاته عند بعضهم. ثمة كتب تشعرك باللذة، ولا تتمنى أن تنتهي من قراءتها كي تحافظ على أكبر قدر ممكن للذتك، وكتاب (فوضاي) يأتي على رأس هذه الكتب التي تأخذك لأقصى درجات المتعة، ولو كان مؤلفه غير القاسمي لكان حديث الناس. الأنثى حاضرة بقوة في كل النصوص تقريباً؛ هي الرغيف الحار، وقهوة الصباح، ووسادة العطر، ورسالة الجوال التي تستعجل الموعد، وهي أيضاً الغبية التي لا تحفل بما يفعله العاشق من أجلها، والكيد العظيم المرتبط دائماً وأبداً بالحب وويلاته. في كتاب القاسمي أمكنة مرتبطة بالبوح: صالة مطار، ممر ضيق، طابور انتظار، والأحلى أن ارتبط بوحه كذلك بجرح نازف وقسم حبيبة، ولكل مكان نكهة بوح مطرزة بتفاصيل قلب مجنون.