تَردْ في أدبيات بعض الحركات الإسلاموية وتعبيرات الحركيين مقولة «القرآن دستورنا» ولعلها كلمة تستهوي بعض السياسيين دون وعي بأن قولها مدعاة للالتباس، ومتاهة لتضليل الناس، كونه لا يمكن تطابق تصورات القائلين مع واقع القرآن، فالقرآن وحي السماء، والدستور مشروع أرضي ووثيقة بشرية تتوافق عليها النُخب عبر مواد تحدد علاقة الشعب ببعضه وعلاقة الدولة بالشعب من خلال ما يُسمى العقد الاجتماعي، وبالعودة إلى آي الكتاب المجيد نجد دلالاتها لا تنحصر كونها قابلة للتأويل ومعانيها لا تنضبط بالمقاييس الاجتماعية أو الرؤى السياسية، القرآن طبيعته تجاوزية باستمرار كونه حمّال أوجه، ولقد جاء القرآن لأمّة مفتونة باللغة العربية فكان منتهى البلاغة في تأصيل معنى الوحدانية لله رب العالمين وإلغاء التعددية الشركية فقط، وتركّزت السياقات القرآنية على تهذيب الخلق وتنقية المعتقد عند الجن غير المرئي كما لدى الإنسان المرئي، وتناولت آياته الخبرية قصصاً وحكايات عمّن سبقنا من أمم الأرض، ووضع عناوين كبرى في قضايا الاقتصاد والعلاقات الأسرية والاجتماعية لا يمكن اختزالها في مقولة «دستورنا القرآن» إذ هو أكبر وأعظم وأوسع من كل الدساتير، فالدستور عقد بين أفراد مجموعة إنسانية في رقعة جغرافية واحدة لتنظيم الحياة مع قابلية مواد العقد للتغيير والتبديل والتعديل بحسب صيرورة الزمن واتساع حرية وفكر المواطن، بينما القرآن أعمّ وأشمل كونه تشريعاً كونياً تعبدياً وأخلاقياً للناس كافة، ولعل بعض الهاربين من استحقاقات الشعوب توقعوا مناصرة شعبية عارمة حين يرددون «القرآن دستورنا» متناسين أن الوعي الشعبي يدرك أن ترويج هذا المصطلح يأتي في سياق إغلاق باب المطالبات الدستورية والقانونية في الدول العربية عموماً، ولو سلّمنا جدلياً بهذه المقولة لوقع القائل في حرج أمام النص المقدّس وأمام الإنسان غير القابل للتسييس، فهل سيخضع السياسي لنصوص القرآن القطعية في ثبوتها ودلالتها؟ وماذا يفعل بالظنيّة الدلالة أيطوّعها لأهدافه ويرفع مقامه بها إلى درجة القطعية أم يتجاوزها ويحمّل المسؤولية من عجز عن كشف ما وراء ظنيّتها؟ زد على ذلك أن الآداب والمثل العليا موثّقة في كل الكُتب المقدّسة إلا أنها لا تصلح أن تكون دستوراً بالمفهوم القانوني، لأن الدستور مرتبط بكيان دولة، والدولة تقوم على حاكم توافقي يختاره شعب أو يرتضيه، والشعب شرائح وملل ونحل تنتابه يومياً صراعات المصالح والمطامع والرغبات ما يحتّم على السياسي صياغة القوانين اللازمة لإدارة هذه الصراعات وتجريم ومعاقبة من يخرج عن اللوائح ويتجاوز المواد الدستورية، وبما أن الأحزاب الإسلامية اليوم تردد أن القرآن دستورها وكل حزب له أجندة سياسية فإن الحيلة لن تنطلي على ذي لُب، والشعب المؤمن يوقن أن القرآن لا يقبل التسييس لما يترتب على ذلك من العبث بالأدلة والتطاول على اللغة والافتئات على التاريخ الإسلامي الذي لم يرد على ألسنة حكامه في القرون المُفضّلة أن القرآن دستور، ولذا قال عليه السلام «إذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيّه، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا» رواه مسلم.