مثلما أحبُّ أوّل الليل فإنني أحب الشتاء في أوله، وأعشق بداية هذا الفصل خاصة عندما أكون في بلاد اسمها «المغرب» وتحديداً في العاصمة المضيئة الهادئة المهديّة الحالمة الناعسة «الرباط». كنتُ هناك في مهمة عمل في نوفمبر الماضي مع صديقي المهندس «عبدالعزيز المهدي»، حيث كانت الأجواء تغرينا كل يوم بالخروج إلى الشارع، فالهواء يهبّ بحنوّ ولطف غامرين كأنّه لمساتُ الحبيب! مطرٌ خفيفٌ شفيفٌ مثلَ طفلٍ يتعلمُ الكلام وغمامٌ كثيفٌ وشمسٌ قليلة.. كُنّا في انتشاءٍ ما بعده انتشاء ونحن نذرع حي الرياض مشياً على أقدامنا نغني للسماء تسبيحاً مقدّساً لخالقنا العظيم الذي وهب الكون بلاداً كهذه!! لكننا توقفنا فجأة عند مشهد غريب إذ رأينا أطفالاً يلعبون كرة القدم في ساحة مخططة لهذا الغرض وفيها حفرٌ وشقوق! فيما هي محاطة بالجدران العالية التي تعلوها أيضاً أقفاص حديدية وشبوك و(هناقر)! توقعناها (إصلاحية) أو دار أحداث لكننا صدمنا عندما رأينا لوحة صغيرة تتوسط القفص والشبك العالي مكتوبا عليها «المدرسة السعودية في الرباط» فتساءلنا هل هذه مدرسة أم معتقل (جوانتنامو)؟ ثم صدمنا أكثر حين دخلنا المدرسة وتجولنا فيها على النحو الذي ترونه في المادة المصورة والمنشورة اليوم في «محليات» هذه الصحيفة (ص9) وهي أي الصور تغني عن كل كلام! عدتُ لموقع المدرسة على الإنترنت ووجدته يقدم صورة (مزيفة) للواقع مع الأسف! وعرفت أن المدرسة تأسست بمكرمة من الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله عندما كان في إحدى زياراته للمغرب، واشتكى آباء الطلاب هناك أن أبناءهم يدرسون الكتاب الأخضر في المدارس الليبية ،وأدبيات حزب البعث في المدارس العراقية! وقدعلمت أن المدرسة تابعة لوزارة التربية والتعليم وتشرف عليها السفارة السعودية في الرباط ،بل إن السفير هو رئيس مجلس إدارتها! فقلت المسألة هكذا مفهومة فالوزارة غير قادرة على إصلاح وتغطية مباني مدارسها في الداخل الذي يعاني وضعاً تعليمياً سيئاً على الرغم من المليارات الهائلة التي رصدت للتطوير فضلاً عن الميزانيات السنوية!! أما سفارتنا في المغرب فهي تحتاج سفارة ثانية تشرف عليها وعندي معلومات أن بقاء وضع مدرسة الرباط على ما هو عليه وترديها كما شاهدناه في الصور يعود ل(عنادٍ) شخصي إثر قصة تتعلق ببروتوكولات الحديث في المناسبات الرسمية الكبيرة! وبمناسبة السفارة أذكر أنني ذهبت إليها، قبل عامين، بصحبة الزميل محمد الصالحي وطلبنا مقابلة سعادة السفير لعمل صحافي لكننا لم نجده! وتركنا أرقام هواتفنا ولم يتصل بنا أحد كما وعدونا! وفي العام الماضي كنت أحضر مناسبة المعرض الدولي للكتاب في الدارالبيضاء الذي كانت المملكة العربية السعودية ضيف شرف عليه بجهود الملحقية الثقافية في الرباط، وحدث أن تعرض الروائي الكبير «عبده خال» لأزمة قلبية مفاجئة استدعت نقله لأحد مستشفيات كازا بتحركات ومتابعة شخصية وفورية من الملحق الثقافي د.ناصر البراق، كان ذلك عصراً وفي المساء شاهدنا السفير في مناسبة ثقافية على هامش المعرض في أحد الفنادق الكبيرة فتوجهنا إليه، الزميل عبدالعزيز الشمري وأنا.. قلنا له نريدك في موضوع مهم وطارىء فقال يا ليت بعد العشاء! قلنا الموضوع حياة أو موت وقصصنا عليه ما حدث لعبده خال واقترحنا نقله إلى مستشفى زايد في الرباط بإخلاء طبي أو بأي شيء فوعد بمتابعة الموضوع، لكن شيئاً لم يتم وقرر الأطباء إجراء عملية عاجلة ليلاً لعبده خال الذي كان يمثل الوطن ثقافياً ولم يحضر أحد من السفارة سوى الملحق الثقافي الذي التزم مادياً أمام المستشفى لدفع تكاليف العملية! صحيح أن السفير زاره مشكوراً في اليوم التالي وطلب من المسؤول عن الرعايا السعوديين في السفارة التواصل معنا من أجل مصاريف المستشفى غير أن كل ذلك ظل كلاماً في الهواء والجوالات! إلى أن حضر وتدخل الملحق الثقافي ودفع كافة التكاليف (كاش) من جيبه الخاص ولا أدري إلى الآن هل حصل علي قيمة ما دفعه من إدارة أو لجنة الرعايا السعوديين في سفارتنا في الرباط أم لا؟ لستُ ضد السفارة ولا سعادة السفير ولكن عندي معلومات أكيدة أن مجلس إدارة المدرسة السعودية في المغرب لم يعقد منذ سنة ونصف، و(الأطمّ) والأدهى من هذا أنه منذ سنتين لم يُفتح مجلس السفارة بشكل دوريّ كما هي توجيهات خادم الحرمين الشريفين! السفارة السعودية في الرباط بحاجة إلى (التشبيب) والتجديد والحيوية! فهذا عصر الشباب!!