حسن جبران جبران -أطال الله في عمره- هو والدي، زارته مرارا سنين عجاف يربط الصخر على بطنه ليوهم نفسه أنه أكل، في عالم مختلف وظروف قاهرة، في قرية نائية لن يسمع فيها صوت المستغيث ولا لهثات المجهد من هول مصائبه. هناك لا مليارات ولا ألوف! فقط بقايا «ريالات فرنسية» تجلب القليل من الطعام. استطاع أبي اليتيم في صغره آنذاك أن ينجو بصبره مما أصابه لينقش تلك الذكريات في أوراق حاضره ومستقبله، ويروي لنا قصة صبر ذيلها حاضر أفضل. في صغري أذكر جيدا كيف يكون استعداد أبي لمواسم الأمطار التي كانت تستمر لأيام دون توقف فيعد العدة لاستقبالها فيقوم ببناء مجاري السيول وتصريفها عن المنزل وعن المزارع وعن حظائر الأغنام، يحفر «السواقي» ليصل لكل مزرعة نصيبها من المياه دون أن تتضرر، يوقظنا من نومنا مرارا لنتفقد مجاري السيول عند شعوره باقتراب تساقط المطر. في بعض الحالات يكون السيل أقوى مما أعد له ولكنه يراقبه وحينما يرى انحراف السيل عن مجراه يركض وسط المطر لتنفيذ خطة بديلة تفاديا للأضرار التي ستقع للمزارع والمنزل جراء هذا الانحراف. جبران لم يحصل على الدكتوراة في التخطيط والتصريف و»التصريح» لا شهادة مزورة ولا غيرها، وقدره لم يمنحه فرصة للتعرف بصديق مثل صديق قينان الغامدي الذي يمنح الفرصة لنيل الدكتوراة بمبلغ 100 ألف، ويعيش معها بترف كما يفعل غيره من المسؤولين، وأجزم بأنه لو وجد مثل هذا الصديق المخلص! أنه لن يدفع له هللة واحدة وسيقول له بالحرف «شايفنا نغرف الفلوس من بير»، وذلك لأنه يستطيع بإخلاصه وإرادته والكفاءة التي يتمتع بها من حماية ممتلكاته من السيول الجارفة والأضرار الفادحة التي ستكون، مع توفر إمكانيات بسيطة جداً «الكريك» و»الزنبيل» و»الفرسة» هي سيدة الموقف بتكلفة لا تتجاوز خمسين ريالا! لا يصح أبدا أبدا أن تقارن بالإمكانيات المتاحة لذلك المسؤول الذي اقترب من الغروب لكنه لم يغرب! الفرق بين جبران وذلك المسؤول أن جبران قد تذوق مرارة الجوع ولم يكن كل ما يتمناه يجده، ولأن جبران يعلم جيدا أنه لن يلتفت إليه أحد بعد دمار ممتلكاته ليمنحه ميزانية مفتوحة لإعادة البناء والإصلاح، كما أن جبران دائماً قريب من الحدث، فلا أتذكر أبدا أن أتى أحد ليذكره بأن الطريق يحتاج تمهيدا، وأن مجاري السيول تحتاج إصلاحا، ولم يكن ينتظر من أحد أن ينتقده أو «يفضح به» في الصحف! كان ضميره حياً بعكس عدونا المسؤول السابق. جبران على الرغم مما قد عاناه في حياته لم يتذمر من شيء، وإن تذمر يصلح الحال بقدر ما يستطيع، ودائما يردد «الله يعزها دولة» كلما سمع بترسية مشروع أو إعلان لميزانية قطاع خدمي في المملكة عامة، لكنه لا يعلم ومن الأفضل ألا يعلم، عن كواليس المناقصات والمشاريع المتناثرة هنا وهناك التي استنزفت المليارات لتأتي بنتاج متواضع جداً عكس المأمول، ولا يعلم أيضاً أن هناك من يأكل الملايين دون وجه حق وهناك من تحرق الشمس جبينه وهو يعمل بأقل الأسعار. لا يعلم جبران بأن هناك شركة يقال لها الأم ويتبعها الأبناء! هذه الأم إما أن تكون حنونة ومهذبة فتصرف مستحقات كل مستخلص للمقاول في وقته دون تأخير، وإما أن تكون ماكرة فتعد بالصرف ولا تصرف، توهم بالثراء لحظة توقيع عقد عمل معها تحت أي قسم من أقسام المشروع؛ ليبدأ عند حلول الدفع مسلسل الأعذار والمماطلة التي تؤخر استلام الحقوق المالية، فينسحب هنا المقاول من المشروع ليتفرغ لمطالبة هذه الأم. هرم المشروع على رأسه الشركة الأم التي تسلمت المشروع وعليها تسليمه في الوقت المحدد، تحت هذه الشركة عقود الباطن للمقاولين، وتحت المقاولين عقود عمالة وعقود معدات وغيرها من العقود المترابطة، وعندما يزيد عدد العقود أو إخلال أحد الأطراف بها يكون المشروع عرضة للتعثر وضياع «الدراهم». لو نظرنا إلى الهرم السابق نجده بالكامل يبحث عن المال والأرباح، والرابح الأكبر بمئات الملايين لا شك سيكون من نصيب الشركة الأم وبعض هذه الشركات أو المؤسسات تأخذ نصيبها من قيمة المشروع وتقوم بتسليمه إلى مقاول للتنفيذ وهذا المقاول يبرم عقدا للتنفيذ مع مقاول آخر مقابل نسبة مئوية من هذه القيمة وهلم جرا، إلى أن يتم تنفيذ المشروع بأقل تكلفة وأقل جودة لكي يضمن منفذ المشروع بقاء شيء يسير من الأرباح عند الانتهاء. لا يعلم جبران كذلك عن سماسرة المشاريع المليونية الذين يجنون الملايين فقط بألسنتهم وعلاقاتهم الممتدة على مستوى شركات كبرى يكونون بمثابة حلقة الوصل بين الأم والابن أو ابن الابن مقابل مبالغ مالية عالية يحصلون عليها نقدا عند توقيع العقد بين الطرفين. بعض السماسرة يعتمدون أسلوب الكذب وإخفاء الحقائق عن الطرفين سعيا منهم بكل الطرق في إتمام الصفقة دون النظر إلى مصلحة الطرفين وإرضاء الضمير! جبران لا يعلم أنه الضحية هو وأمثاله من المواطنين، الذين لو أوكلت إليهم هذه المهمات بتلك المليارات لأنجزوا إنجازا يضمن لنا استغناءنا عن القوارب الاحتياطية في المنزل، ويضمن للكلباني توفير مبلغ «المايوه».