تخرجَ في كُلية للشريعة، وذقنهُ ما يزال زَغِباً، ولكنَّ العارفين كانوا يتوقعون له مستقبلاً باهراً، فهو يمتلك ذاكرة فوتوجرافية، وله من الطموحِ ما كان يجعله أثناء دراسته معتزلاً زملاءه، مرافقاً لأساتذته، يُجهز كل ما يحتاجونه من كُتبٍ، ومراجع، بل إنه كان يُساعد بعضهم في سَبكِ خُطبهم. وبعد تخرُّجه تَحَصَّلَ على عملٍ رسمي حُكومي، وتم تعيينه إماماً في المسجدِ القريب من بيتهِ المستأجر، ولم يتَوَانَ عن السعي للحصول على رخصةِ «مأْذون شرعي» يجول بها في بيوتِ الأفراح، وينال قِسطه من الفرحِ. كل ذلك، وكان يُشارك بمحاضراتِ وعظ في المساجد المختلفة، مما اضطره بعد فترة لتكليف حارس المسجد بالصلاةِ نيابة عنهُ، فطُموحه كان صاروخياً، وهمَّته بلا قِمَّة، وهو أذكى من أن يجلسَ مكتوف اليدين أمام من يراهم يتخاطفُون من حوله خيرات هذه «الفانية»، فأبدع في تفسير الأحلام، وعالج الممسوسين، وعَرَفَ نبع الماء والزيت، وصار له عُبوات خاصة، يتزاحم المُعتلون على شرائها من دكاكين العطارة، التي اتفق معها على تصريفِ رِيقه فيها. ويهجُر حارته، ويُنكر جيرته، ويسكن قصراً، ويتزوج أربعاً، ويُصبح ممن يُبدِّلون عباءاتهم مع ألوان عرباتهم، ومَسَابِحهم. ويعُين إماماً لمسجدٍ جامع، ويصير صوته يُشترى ويباع في التسجيلاتِ، ويرتقي خياله لأثير نجومية القنوات، بإطلالاتٍ جذابة، ومناظراتٍ مُفحمة. ويدشن موقعه الإلكتروني للفتوى، فتعرفه مجالس إدارات البنوك، ويُصبح تحليله وتحريمه مؤثراً في أسواقِ المال، فيتم استقطابه كمستشار في مجالسِ إدارات بعض البنوك. ويُدمنُ مجالس الكِبار، ويبدعُ في تشبيك الأراضي، ويستثمر في العقاراتِ حتى لم يعُد هو نفسه يعرف أماكنها. رحلة مُضنية عصامية مع الوعظ، فزار معظم الدول الإسلامية، واعتلى أقدس المنابر، وكان ينزلُ عنها محملاً بكل نفيس. وأخيراً صار يُطلُّ على العالمِ من خلالِ قناته الفضائية الخاصة، وينال هو ثمن الرسائل والدعايات واستنطاق الأحلام، بدلاً من اقتسامها مع تجار القنوات. وكان لا بد لهُ بعد هذا المشوار الطويل أن يشعر بشيء من الزُّهْدِ في هذه النعم الزائلة، فلا يجد له أجدى من انتهاجِ السياسة، «فغرد» بالنظريات السياسية، وصار يهز الأنظمة، ويتحدث باسم الشعوب المطحونة، ويستدرُّ الدموع، ويجمع التبرعات، ويستحثُّ محبيه على الانتفاض، والتظلم، ورفض الحُكم الجائر، والخروج للشوارع، للمطالبة بالرغيفِ، والعدالة، والحرية!. إنه لَحالٌ من الغرابةِ الفائقة لكُل وصف، بحيث لا يحدثُ ذلك إلا عندنا نحن الشُعوب الهشة العاطفية، التي لا تُعمل أدمغتها، ولا تكتشف مواطن الزيف، ولا تصُد من يُلبِسُ شفرته بالدينِ ليذبحنا علانية، وتكون فتاواه سحاباتٍ تمطرُ في نهرِ أطماعه. أعرفُ أن أغلبكم كعرب سيقولون أنهم يعرفون هذا الشيخ، وتأكدوا أنكم جميعاً مُحقون، فهو ليس شخصاً بعينه، بقدرِ ما هو نَهْجٌ من التناقضاتِ برع أصحابه فيه، وعلمونا الزُّهْد في خُطبهم العصماء، وفشلوا فشلاً ذريعاً في إعطائنا القُدوة الحسنة، التي لا يمتلكونها.