النظام الملكي قديم قدم التاريخ، وقد انتشر على نطاق واسع في أوروبا قبل الثورة الفرنسية، ثم بدأ يخبو بعدها هناك ويحل النظام الجمهوري محله، أو يتحول إلى الملكية الدستورية، حيث تكون الملكية في نهاية الأمر رمزًا، والسلطة للمجالس الشعبية المنتخبة وفق الدستور. واللافت أن النظام الملكي لم يكن له وجود في الدولة الإسلامية، وبعدما تراجع في الغرب وتحول إلى جمهوريات أو ملكيات دستورية في مطلع القرن العشرين بدأ يبرز في الدول العربية، حيث وجدت الملكية آنذاك في المغرب ومصر، وعندما سقطت الخلافة الإسلامية العثمانية عام 1924م وحل الاستعمار الأوروبي محلها في بعض الأقطار العربية برزت الملكيات مع الاستقلال في ليبيا والأردن والعراق وقبل ذلك في اليمن، وأظن أن اختيار الملك عبدالعزيز النظام الملكي بعد انتهاء عملية التوحيد وتكوين الدولة كان انسجامًا مع ما هو سائد في الأقطار العربية آنذاك. وعندما نقارن بين واقع النظام السياسي في الدولة الإسلامية (أي ما هو عليه لا ما يفترض أن يكون) منذ الخلافة العثمانية وما قبلها صعودًا حتى فترة انتهاء الخلافة الراشدة، أي منذ الخلافة الأموية إلى الحرب العالمية الثانية تقريبًا وبين الأنظمة الملكية على عمومها لا نجد فرقًا كبيرًا بين النوعين فيما يتعلق بطريقة اختيار الملك والخليفة، وحدود سلطة كل منهما.. فاختيار الخليفة يتم إما بولاية العهد أو بما يشبهها ويتلو ذلك البيعة، والأمر كذلك بالنسبة لاختيار الملك عدى مسألة البيعة. أما حدود السلطة فالخليفة له جميع السلطات مثل الملك، ويتقارب التبرير أحيانًا، فالخليفة له جميع السلطات على اعتبار أنه منفذ لشريعة الله الذي له الحكم المطلق (إن الحكم إلا لله)، في حين أن الملك في بعض الملكيات الأوروبية له جميع السلطات اتكاءً على ما يسمى آنذاك (الحق الإلهي) أي أنه يستمد سلطته من سلطة الله، ويحكم باسمه وبهذا الأسلوب أخذ بعض الملوك السلطة من الكنيسة، ولكن كان هذا في الواقع مدخلاً أو بداية التحول إلى الأنظمة الملكية الدستورية. وتأسيسًا على كل ذلك (عدا الحق الإلهي) فإن الأنظمة الملكية العربية التي برزت مطلع القرن العشرين سارت على النهج نفسه فكان للملك الذي يتم اختياره بطريقة ولاية العهد جميع السلطات (مثلما كان في الدولة الإسلامية)، وقد استمر هذا النهج فترة من الزمن ثم بدأت بعض الملكيات -بتأثير ما يحدث في العالم- تتحول بالتدريج إلى (الملكية الدستورية) كما هو حاصل في المغرب والأردن والكويت.. وإذن فهناك تقارب كبير بين النظام الملكي ونظام الدولة الإسلامية منذ الدولة الأموية وما بعدها، إذ لا يوجد إلا فوارق غير جوهرية، منها مسألة (البيعة) التي يوجد في الدولة الإسلامية، وهي قيام المواطنين بمبايعة من تم اختياره خليفةً أو أميرًا، ولا توجد في الأنظمة الملكية شيء من ذلك (ولاحظوا أني أتحدث في هذه الجزئية عن النظام الملكي في الأصل كما كان في أوروبا ولا أتحدث عن الدول العربية التي أخذت النهج بعد ذلك) ولا يمكن اعتبار البيعة فارقًا جوهريًا -كما ذكرت- لأنها على الرغم من أنها ينظر لها في الدولة الإسلامية على أنها هي ما يوفر الشرعية الدينية والشعبية للحاكم فإنها من خلال أثرها لا تبدو كذلك، إذ لم يحصل من خلال الدولة الإسلامية على مر التاريخ أن غيرت البيعة ما تقرر قبلها، أي لم يحصل أن اعترض المبايعون على حاكم تم اختياره فتم العدول عنه إلى غيره، وهناك فارق شكلي آخر وهو أن الملكية تخلع على أفرادها ألقابًا فيها تفخيم وتبجيل مثل (صاحب الجلالة) للملك و(الأمير) لأفراد الأسرة الحاكمة وأحيانًا للحاكم نفسه، وتستتبع تلك الألقاب بعبارات التبجيل والتفخيم مثل (المعظم) و(صاحب السمو الملكي) و(صاحب السمو) و(سمو) وهذا كان موجودًا في الأنظمة الملكية القديمة خاصة في أوروبا، وأخذته الأنظمة الملكية العربية التي جاءت بعد مطلع القرن العشرين، والقصد من هذه الألقاب وعبارات التبجيل إكساب أصحابها الهيبة والقوة المعنوية، أي دعم السلطة بتلك الهيبة والقوة، وقد كان هذا -في رأيي- مفيدًا ربما للسلطة الحاكمة في السابق قبل أن يتطور وعي الإنسان وتعليمه وثقافته، وقبل التطور الحضاري الإنساني الكبير الذي انتهى بما هو عليه الآن، حيث أصبح التمايز بين البشر قائمًا على الجدارة، أما الآن فإن تلك الألقاب تؤدي للنقمة وتوجد التباعد والفجوة في العلاقة، الأمر الذي يجعلها سلبية التأثير وعبئًا على أصحابها بعكس ما كان سابقًا. وفيما عدا الأنظمة الملكية في العراق ومصر وليبيا واليمن، ظلت الأنظمة الملكية العربية تحافظ على قدر مقبول من الاستقرار كما هي الحال لدينا وظلت بعضها تواجه المتغيرات والتحولات الدولية بما يحافظ على هذا الاستقرار، كما حصل في المغرب، والأردن، والكويت، وثبت من خلال الواقع أن الأنظمة الملكية العربية الآن أقدر على مواجهة التحولات من تلك الجمهوريات العربية التسلطية، ليس بسبب الوفرة المالية فقط بل بسبب توفر الخبرة، وكذلك عدم وجود النقمة الشديدة عليها من شعوبها، بسبب عدم دموية النهج في التعامل بين الحكومة والمعارضة من كلا الطرفين، ولكونها -أي الأسر الحاكمة- تظل في رأي الغالبية هي الطرف المتفق عليه لقيادة أوطانها نحو التطور السياسي المنشود الذي تفرضه النقلة الحضارية العالمية الحالية والمتغيرات الكبرى على المسرح الدولي. وأخلص من كل هذا أنه إذا توفرت إرادة التطوير فلا فرق بين طبيعة النظام سواء كان مملكة أو جمهورية أو إمارة أو مشيخة أو سلطنة أو حتى دولة الخلافة كما كان الوضع سابقًا في الدولة الإسلامية، كل هذه النوعيات من الأنظمة تقبل التطوير، ولهذا يظل تطوير النظام السياسي هو العامل المهم للحفاظ على الاستقرار وليس نوعية النظام، فقد كانت أكثر الدول ديكتاتوريةً وتسلطًا وتبذيرًا لثروة البلد ودفعًا لشعوبها نحو التخلف هي الجمهوريات العربية. الشرق أكرم عندما تنازلت عن المكافأة التي خصصتها الشرق لي فليس ذلك لأني أرى أن الكتابة وغيرها من الأنشطة الفكرية ينبغي أن تسمو فوق الماديات كما يقول البعض أحيانًا .. لا .. أبدًا .. فالكتابة نشاط مثل غيره من الأنشطة والمهن التي يقوم البشر بها ويتبادلونها فيما بينهم ليعيشوا عيشةً كريمة ويطوروا واقعهم، ومن حق صاحب كل نشاط مباح، أي نشاط كتابةً أو غير كتابة أن يأخذ عنه العوض النقدي الذي ابتكره عقل الإنسان ليكون وسيلة يتم بها تبادل الأنشطة.. ولكني تنازلت عن المكافأة لأني أعرف أن الشرق مولود جديد مثل كل المشاريع الجديدة الأخرى يحتاج إلى الوقت كي يقف على رجليه ويتحول إلى الربحية، ولذلك كان تنازلي رغبة مني في أن أنجح مع الشرق عندما يكبر نجاحها، ولكنها كانت أكرم مني فحولت تنازلي إلى مشروع جميل أرجو أن يساهم في الدفع بها نحو نجاح أكبر، فلها كل الشكر والتقدير لأنها كانت هي الأكرم.