عندما نكتشف خللا وراء خلل في منظومة التعليم ونتجاهله، دون أن نتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه متذرعين بانشغالنا في مشروعات أكبر من الاستماع لما يريده جيل الشباب الذي يقع على عاتقه إعمار هذه البلد، فمن المؤكد لن نتقدم أي خطوة إلي الأمام، وسنظل واقفين سنوات طويلة في نفس المكان، لأن الأمم تقوم بالعلم، وحين تدور الكرة الأرضية مهما نفعل لا نستطيع إيقافها! دعوات الملك – حفظه الله – للإصلاح ومكافحة الفساد حقيقية، حمّل فيها المواطن مسؤولية التبليغ عن حالات الفساد لبترها من المجتمع الذي هو شريك فيه، وما حدث في جامعة الملك خالد ما هو إلا تفاعل من الطلبة والطالبات مع كلمات القائد لبتر معاقل الفساد الذي دفع بأكثر من مائة أكاديمي بعضهم يحمل درجة (بروفيسور) على تقديم استقالتهم، بسبب تدهور النظام الإداري وتفشي المحسوبية في الجامعة، فقام بعض الشرفاء من طلاب وهيئة التدريس، بجمع ملف كامل عن الفساد والتحزب والتعالى وسوء استخدام السلطة التي خلقتها إدارة الجامعة وأوصلوه ليد المسؤولين، حيث وعدوهم بالإجابة العاجلة، ولكن زمن «العاجلة» أخذ وقتاً أطول من قوة احتمال البشر! فلم تجتمع سبعة آلاف طالبة من بنات أبها اعتراضاً فقط على كثرة المخلفات والقاذورات وبيع الكراسي المجانية التي انقرضت من السبيعينيات، أو لعدم وجود مكان للصلاة، أو عدم وجود مطعم، أو لمنظر المروحة التاريخية المكسورة، أو من أجل دورة مياه واحدة بالكاد تصلح للاستخدام الآدمي، أو فقط بسبب مياه المجاري الطافحة في مبني الجامعة المتهالك، بل الذي آلمهن أكثر سوء مُعاملة الأكاديميات اللاتي اعتدن على معاملتهن بفوقية واستحقار، مع العلم أنهن يتسلمن رواتب نظير أدائهن لواجباتهن، رفضت البنات تحمل الازدراء والاستحقار و(جو المجاري الخالي من أي تصريف صحي) التي تجزع منها النفس البشرية، ناهيك عن شكوتهن المريرة من بيروقراطية العميدة المبالغ فيها وكأن فن الإدارة في الجامعة شرط أن تكون صاحبتها تتمتع بمميزات قاسية ومتعجرفة وسلطوية تعتمد علي التخويف والترهيب طوال الوقت! الغضب الذي تفجر نهاية الأسبوع لم تحتويه العميدة ولم تعرف كيف تمتص ذلك الغضب، بل أوصدت الباب على نفسها، وفتحت الأبواب لرجال الأمن، متهمة الطالبات بتكسير ممتلكات الجامعة المتهالكة. قالت لي إحدى الطالبات (إنهن رفعن أصواتهن بالاعتراض لكي تصل للمسؤولين، لأن هناك من قالوا لنا: لن يسمعكم أحد)! وللأسف أصرت إدارة الجامعة على الاستخفاف مرة ثانية بعقول الناس وصرحت بأنها ترفض الفوضى التي لا تخدم العملية التعليمية، وتجاهلت مرة أخرى ما شاهدناه من صور تتحدث باختصار عن حال الجامعة المتردي، ولا أدري إن كان منظرالقمامة والمجاري الطافحة، يخدم العملية التعليمية أم لا! سنوات قضتها الفتيات صابرات على انعدام الخدمات الصحية، ومن باب (شين وقوي عين) توجه الجامعة اتهاما لأولياء الأمور بافتعال مشكلات مع عمال النظافة، (مرة الطلاب ومرة أولياء الأمور)! بدلاً من الاعتراف بالتقصير، لتشتيت الانتباه عن الانتهاكات والممارسات المهينة والظلم والتسلط الذي يُمارس خلف الأسوار، والجامعة التى لا يجتمع مديرها أو عميدتها مع الطلاب بشكل دوري لمناقشة أمور الطلبة ومشكلاتهم، فهو غير كفؤ لإدارتها، وعلينا الآن تفهم مشاعر الطلاب الغاضبة وتهدئتها بالاستماع لهم (بآذان مفتوحة) وقلوب حانية، وعدم الإصرار على تجاهل أبسط حقوقهم، ولكي لا تتوقف العملية التعليمية من حق الطلاب أن تقوم الدولة بإقالة أي مدير أو مسؤول وتغييرهم بكافاءات وطنية أخرى، لأنه من الصعب أن يحترم الطالب إدارة جامعة، يستغل المسؤول فيها سلطته للمحاباة لابنه وأقاربه بشكل يستفز المشاعر، وأتمنى أن لا تُعطى تلك الصلاحية إلى وزارة التعليم العالي، التي تجاهلت لسنوات ما يحدث في أروقة بعض الجامعات، والتقليل من شأن تسلط واحتكار بعض الوظائف على غير السعوديين الذين يستحقرون الطلبة ويهددونهم بالعلامات، ولأن طريقة التخويف والترهيب التي فلحت في جيلنا الذي تعلم على الضرب والقمع في المدرسة، لن تفلح الآن في زمن الإصلاح الذي يقوده عبدالله بن عبدالعزيز. ولم أصدق تلك الدُعابة التي نُشرت على لسان مدير الجامعة بتشكيل «لجنة لتقصى الحقائق» من نفس الجامعة وكأنه تصريح بوأد القضية، وفي أي قضية تجد في بعض التصريحات استخفافا واضحا بعقول الناس، مثل ما أعلن بأن الطالبات أثرن الشغب وحطمن ممتلكات الجامعة، التي لا يوجد في حطامها أي أثر لقيمة ميزانيتها التي كانت في عام 2011 تقدر ب(2.69) مليار ريال، ما شاهدناه كان أثاثا قديما جداً اعتقدت أنه انقرض، ولكن امتلأت به قاعات الجامعة بشكل يدعو للدهشة، في بلد يفخر فيها المسؤول بصدارتنا في النفط الذي منح العديد من الدول الحضارة والمدنية والتقنية والأمانة، وترك بناتنا وشبابنا ومستقبل دولة ترتع في مستنقعات الفساد والجشع وإساءة استخدام النفوذ والسلطة!الحركات الطلابية تُخلق بشكل تلقائي وتبقى وليدة معاناة وضغوط معينة، ولكن حين تُصرح إحدى منسوبات الجامعة بكل استخفاف بأن هناك أيدي خارجية خلف اعتراضات طالبات وطلاب جامعة الملك خالد ذلك لا يبين سوى مدى المستوى الفكري الذي يتمتع به بعض منسوبي الجامعة التي تبحث وهي تغرق في الأخطاء عن سبب لتخوين أبناء وبنات أبها الشرفاء وتُزايد على وطنيتهم، وهذا ما تقوم عليه نظرية سياسة الأبواب المفتوحة، والآذان في الأصل.. مُغلقة!