جميع الأشياء المحيطة بنا من كل حدب وصوب لها طعم؛ فللمسافة المقطوعة مع صاحب مؤنس مذاق، ولفنجان القهوة بقوامه وزخرفه وطعمه وزمن احتسائه مذاق؛ وليس القصد حصرالتذوق في الحاسة الاعتيادية التي تساعدها حاسة الشم في تمييزها بين الحالي من المر من الأطعمة والأشربة بل هو تجربة فردية يمتزج فيها مع المذاق والذاكرة التي تحتفظ بتوصيف عالي الدقة للمادة المتذوقة بحيث لا تنسى الطعم! والكاتب هنا يدس نكهته كالطباخ المحترف الذي يخص أطباقه بسر النكهة فيميز بينها المستطعم صاحب التجربة أيضا! أما المتذوق فنيا يتسم بالوعي والإدراك لكل جميل يقع تحت طائلة بصره فشعوره يفوق الحواس الخمس من حيث تمييزه بين نكهات الأعمال وقد اكتسب خصوصية ذائقته تلك التي من تجاربه والشخصية والثقافية وبها يتفاعل بكل إحساسه مع النص ليتقاسم مع الكاتب تجربته الشعورية فيها وهي ملكة يهبها الله إياه في الحكم على النصوص والمفاضلة بينها. ومن معوقات عدم التذوق: * السوادية التي تلف بعض المتشائمين «فمن يك ذا فم مريض/ يجد مرا به الماء الزلالا» فهم يقرأون النص من بؤرة عالمهم المريض فيتصورونه متشحا بالرذيلة والكفر. * المصلحة التي تحكم علاقتهم بالأشياء مبنية على الاستفادة والنفع فليس من الممكن هنا أن يتذوقوا الجمال بالرغم من أنهم لو ربوا ملكاتهم على إدراكه لما تناقض مع نفعيته فتشجير الأراضي المتصحرة للحد من زحف الرمال كمنفعة لا يمنع إدراك جمالها. أما الإيجابيون فهم ينمون إحساسهم، عقولهم متفتحة نقية وقلوبهم متفائلة تنظر بحب؛ فما أحوجنا في هذا الزمن لصفاء يعلو بنا فوق مستوى الماديات ولن يتم ذلك إلا بفلترة أحاسيسنا من السلبيات وتطهير رؤية الأشياء بعين القبح والتمرس على الحس الراقي الخلاق وإدراك ما وراء البصر من نقاء نتغلب به على متاعب الحياة من بؤس وتشاؤم. إن انتقاء القارئ بعضَ النصوص الراقية لدليل على امتلاكه ذائقة وإن لم يتمكن من التقييم أو إصدار الحكم ولكن الكمال في الاجتهاد في فهم النظرية المعرفية ومزجها مع التجربة الشخصية وتوظيفها في تذوق النص الأدبي وكل جميل في الحياة.