لولا تنظيم الوقت لضاع على الناس متعة الإحساس بالحياة، لأن الوقت باختصار حياة بحد ذاتها، وكلما فقد المرء متعة ممارسة هذه المهارة وهي مهارة تنظيم الوقت، أصبحت حياته أوراقًا متناثرة تلهو بها الأزمات وتتقاذفها المواعيد، وكل إنسان مبدع ومنتج في حياته العلمية والعملية كان الوقت عنده من أغلى الأشياء التي لا تقدر بثمن، فمهارة تنظيم الوقت هي الطريق الأمثل لبلوغ كل غاية كان يسعى إليها، ومن الطبيعي أن إدراكه لهذه المهارة هو إدراك لقيمة وجوده على هذه البسيطة. فالوقت بأبسط صوره نجده مرتبطًا بمواعيد الصلوات الخمس اليومية، والوقت مرتبط بالصيام والحج، وغيرها من الأمور المتصلة بعبادات الرجل المؤمن، وفي حال الابتعاد عن هذه الممارسات الروحية نجد أن الوقت مرتبط بمواقيت الدوام حضورًا وانصرافًا، وفي مواصلتنا لأهلنا وذوينا، وفي أدق من هذا في ارتباط الكاتب بكتاباته والمبدع بنتاجه والصانع بصناعاته والعامل بعمله، فلا شيء يمكن تنفيذه ما لم يكن هناك خطة تنظيم لهذا العمل، وهذه الخطة مرتبطة بمهارة تنظيم الوقت، لهذا صار الوقت أغلى ما يمكن أن يمتلكه أي إنسان في كل مكان وفي كل زمان. هذا الوقت الذي نعيشه، ويستهتر بعض الناس في مسألة تنظيمه، يعتبر من أثمن القيم الربانية التي منحها الخالق سبحانه لعباده على الأرض، ولأن الوقت قيمته بالتنظيم والتخصيص، فقد أقسم به الرب سبحانه وتعالى في محكم التنزيل، إذ أقسم بالليل والفجر والصبح والضحى والنهار والعصر، وما هذا القسم إلا دليل من الخالق القدير على أهمية هذه الأوقات، وأن الإنسان ليس له قيمة ما لم يحسن تنظيم هذه الأوقات وكيفية التعامل معها، وقد حثنا الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – على أهمية اغتنام ساعات الفراغ، وما هذا الحث النبوي الشريف إلا مؤشر على ضرورة اغتنام الوقت وأن لا يضيع هذا الفراغ سدى بلا فائدة مرجوة منه. كنا ونحن في المدارس نردد ونكتب في كل مكان «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك» لكن كثيرين ممن كانوا يكتبونها لم يعودوا يشعرون بقيمة هذه الحكمة، التي تحث على ضرورة إتقان مهارة تنظيم الوقت الذي ليس بمقدورنا إيقافه، لكن يمكننا حسن التعامل معه، لأن هذه المهارة هي الفيصل الحقيقي بين النجاح والكسل، ومن يتأمل عقارب ساعات الزمن ولحظات اليوم، يُدرك بأن الجميع يعيشون يومًا كامل الساعات وشهرًا تام الأيام وسنة متساوية في الشهور، فالسنة المكونة من اثني عشر شهرًا هي ذات السنة التي يعيشها غيرنا من البشر، وهكذا الحال مع الشهر والأسبوع واليوم، فكل البشر يعيشون أوقاتًا متساوية، لكن الفارق بينهم يكمن في قدرة هذا على تنظيم الواجبات والحقوق وفشل ذاك في تحديد أولوياته من هذه الضروريات، لأن الشخص الناجح ملتزم بمواعيده صادق في أقواله، إذا وعد لا يخلف الموعد، فالوفاء بالمواعيد والصدق بالعهود والالتزام بالمواثيق، لا تتأتّى إلا لمن أحسن التعامل مع الوقت وأجاد مهارة تنظيمه، ومن يتأمل قول النبي الكريم صلى الله عليه و سلم في وصف المنافقين يجد أنه كان يحث على الوفاء بالوعود، إذ يقول: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف»، فإخلاف المواعيد لا يكون إلا مع الذين لا يحسنون مهارة تنظيم الوقت، لأن في هذا الفعل المشين ضياعا وإهدارا للوقت الذي عظمه الخالق في محكم التنزيل، من خلال القسم به في عدة مواضع في القرآن الكريم.